مترجم/التوتر بيت التطلعات العقلانية والمتطلبات التجريبية في فلسفة إدموند هوسرل (10/3)

ترجمة: أحمد رباص المقال الأصلي:   http://encyclo-philo.fr/husserl-a/ فيما يلي الجزء الثالث من الترجمة: ب- نقد النزعة البسيكو...


ترجمة: أحمد رباص
المقال الأصلي:  http://encyclo-philo.fr/husserl-a/
فيما يلي الجزء الثالث من الترجمة:




ب- نقد النزعة البسيكولوجية
في عام 1900، نشر هوسرل المجلد الأول من أبحاثه المنطقية بعنوان  «Prolégomènes à la logique pure ».  بنى فيه حجاجا قاسيا بشكل خاص ضد النزعة البسيكولوجية، وهو خطأ اعترف صراحة في التقديم بأنه هو نفسه من أرتكبه. حدث هذا التغيير بتأثير من التنقيح الجارح جدا الذي قام به فريغه ل"Philosophie de l’arithmétique " عام 1894. فيه أشار منطقي إيينا بأصبعه بطريقة لاذعة إلى ضعف كل نظرية تدعي الإلمام بمفهوم رياضي، كمفهوم العدد، عن طريق النشأة النفسية لتمثلات العدد، وخاصة عن طريق أفعال تجريدية تنزع تدريجيا عن التمثلات الحدسية لمجموعات من الأشياء محتواتها التجريبية الخاصة حتى لا توضع نصب العين سوى كميات قابلة للعد مكونة من وحدات متجانسة. ومع ذلك، دون نفي التأثير الذي  مارسه هذا التنقيح على التفكير الذي باشره هوسرل خلال سنوات 1890، فمن المهم أن نفهم، أولا، أن للمنعطف اللابسيكولوجي أيضا وخاصة دوافع ذاتية في التفكير الهوسرلي حول الأنساق الصورية، دوافع استلزمت من جهة أخرى انعطافات لابسيكولوجية في كتابات هوسرل حتى قبل ظهور تنقيح فريغه، وثانيا أن مصادر النزعة اللابسيكولوجية الهوسرلية متعددة (هناك في المقام الأول برنار بولزانو، الذي ميز بوضوح بين "التمثل" [ بمعنى الفعل] وبين "التمثل في ذاته" [ بمعنى المحتوى]، وهرمان لوتز، الذي طور الفكرة الهربرتية عن مثالية المفهوم، ثم هناك بول ناتورب، الذي أكد على عدم كفاية حجة المعيارية، أو على ضرورة التمييز بين البعدين "الذاتي" [ المتعلق بالأفعال]  و"الموضوعي [ المتعلق بالمحتويات] لنظرية المعرفة، وثالثا أن النزعة اللابسيكولوجية، مهما كانت جذرية، التي دافع عنها هوسرل في "الأبحاث المنطقية" مختلفة عن التي دعا اليها فريغه من جانبه. 

عن كل ادعاء لتأسيس المنطق على علم النفس، تجيب النزعة اللابسيكولوجية بأن المنطق، وهو علم دقيق وضروري بداهة، لا يمكن أن يستند على علم تجريبي تكتسي قوانينه في أحسن الأحوال الطابع "الفضفاض" والعرضي للقوانين الاستقرائية. لدعم هذا الاعتراض، تمثل الجوهر ذاته للحجاج الهوسرلي في التمييز بين الأفعال العقلية ومحتوياتها. فالأولى، التي درسها علم النفس، تقيم علاقات حقيقية في ما بينها، سببية بالأخص: هذا التمثل أو هذا الفكر جعل آخر ينبثق، هذا الاعتقاد  أثار هذا الانفعال، هذه الرغبة أفرزت هذا الحكم، الخ.. بينما الثانية تقيم علاقات مثالية للإدماج (محتوى تمثل "إنسان" يتضمن في ذاته محتوى "حيوان")، للاستنتاج (محتوى الحكم "سقراط إنسان" ينطوي على محتوى "سقراط حيوان ")، للاتوافق المادي (محتوى الحكم " هذا السطح أحمر بشكل موحد "لا يتفق مع " هذا السطح أخضر بشكل موحد ") أو الصوري (محتوى الحكم " كل إنسان فان "لا يتفق مع" سقراط، وهو إنسان، خالد "). تلك علاقات مثالية من طبيعة مختلفة جدا عن العلاقات النفسية التكوينية التي تربط بين الأفعال العقلية التي تظهر فيها هذه المحتويات. وخلافا لما حاول التقليد التجريبي -الترابطي القيام به، لا يمكن الإلمام بكل هذه العلاقات المثالية بمجرد الإشارة إلى عادة وجود عدة تمثلات أو معتقدات، وهي عادة قد تكون أدت إلى الربط بينها بطريقة يؤدي معها فوريا وبانتظام ظهور واحد من هذه الأفعال العقلية إلى ظهور فعل عقلي آخر.

أن تستلزم قضية "كل إنسان فان" قضية " إذا كان سقراط إنسانا، فهو فان" فذلك لا يتوقف على ترابط بين تمثلات أو معتقدات يتعين القيام به في أي عقل كان؛ ذلك قانون منطقي، يهم المحتويات ذاتها للتمثلات والأحكام، وليس نتيجة لأي قوانين طبيعية محتملة تدبر ظهور وتعاقب أفعال التمثل أو الحكم. إذا لم يتوقف هذا القانون المنطقي على قوانين الترابط، فهو لا يتوقف بقدر أكبر على أداء الجهاز العصبي للجنس البشري ولا يفسر قوانين التطور التي انتقت هذا الأداء. القوانين المنطقية ليست منتجا طبيعيا للعادة أو التطور. إنها قوانين مثالية ستبقى صالحة حتى لو لم يوجد أحد ليفكر فيها، والتي لا يتفق التفكير الفعلي للناس معها الا جزئيا فقط؛ فكثيرا ما يرتكب الناس فعلا أخطاء في الاستدلال.

امتناع رد القوانين المنطقية إلى القوانين البسيكلولوجية  واضح في البعد المعياري للأولى (مجموع المبادئ التي بموجبها يجب الاستدلال)، البعد الذي لا يتضمنه الوصف البسيط للعمل الفعلي للجهاز النفسي البشري (مجموع الطرق التي يفكر بها الناس فعلا). هكذا يورد هوسرل في « Prolégomènes » الكثير من نماذج  المقاطع التي يستعمل فيها الكتاب بالفعل وبوضوح أقل أو أكثر، ضمن توصيفاتهم البسيكولوجية، المفاهيم المعيارية التي تفترض مسبقا صحة القوانين المنطقية، ظنا منهم أنهم يؤسسون المنطق على علم النفس. وهكذا، فأولئك الذين، مثل هيمانز أوسيغوارت،  يؤكدون على أنه "في فعل التفكير، الإثبات والنفي يستبعدان"، ماذا يريدون أن يقولوا، إن لم يكن أنه " في الحكم الصحيح، ال نعم وال لا تسبعدان "؟ لكن، يقول هوسرل، هذه " قضية تعادل قانونا منطقيا ليس بسيكولوجيا في شيء ". أما بالنسبة للقضية " لا أحد يستطيع أن يعتقد في قضية متناقضة، لا أحد يستطيع أن يقبل أن الشيء نفسه يكون ولا يكون "، فهي، بهذا الشكل، صارت كاذبة لوجود حتى الخطأ والجنون: " هذا ما يتعين على شخص عاقل، بالطبع، أن يضيفه ".

وبالمثل، فإن عبارة "الأحكام المعترف بها على أنها متناقضة لا يمكن أن تتعايش في نفس الوقت في وعي واحد" هي بكل بساطة كاذبة، ما لم يتم بالطبع تفسير كلمة "الوعي" بمعنى "الوعي العادي". القانون "النفسي" لعدم التناقض، يقول هوسرل، " لا يدعي أنه ينطبق فقط على أفراد الجنس البشري العاديين وذوي الحالة العقلية العادية ". إذن، فهذه القوانين لا تأخذ بعين الاعتبارسوى الأداء العادي للفكر، وهذا يعني التفكير عندما يكون من المفترض أن يتطابق مع طبيعته الحقيقية، التي تعرف كيف تكون مستقلة وغير حاسة بالتأثيرات النفسية غير العادية والسلبية للانفعالات، للعادات، للميول الطبيعية أو للامبالاة. لكن هذه المعيارية الخبيئة في صياغة القوانين النفسية ضرورية بديهيا لكي نستخلص منها، كما يزعم الكتاب البسيكولوجيون، منطقًا إرشاديًا؛ فمن علم يقتصر على التحقق من الكيفية التي يفكر بها الناس، لا يمكننا بأي حال من الأحوال استنباط الكيفية التي يجب عليهم التفكير بها. على العكس من ذلك، فإن مثل هذه القوانين النفسية "الطبيعية" ستجعل المنطق الإرشادي غير ذي جدوى. إذا كان الناس يفكرون بشكل صحيح وطبيعي، سيكون من السخف أن نفرض عليهم المبادئ التي تدبر تفكيرهم بالفعل.

غير أن هذه الحجة حول معيارية المنطق، ليست هي جوهر نقد هوسرل للنزعة البسيكولوجية. إن أصالة " Prolégomènes " تكمن بالتحديد في إثبات أن هذه الحجة (التي كان كانط قد روج لها بالفعل لدحض هيوم) ليست كافية. من خلال الإصرار على البعد المعياري للمنطق، يستمر الاعتقاد أن المنطق يتعامل بشكل رئيسي مع الأفعال العقلية، إنه يعتزم أساسًا إملاء (وليس فقط وصف) الطريقة التي يجب أن يتلو كل منها الآخر، أن يتولد الواحد منها عن الآخر (من يرى أن "كل إنسان  فان" وأن "سقراط إنسان" يجب أن يستنتج أن "سقراط فان"). لكن هذا البعد المعياري للمنطق يرتكز في الواقع على البعد المثالي: إذا كان يتعين الحكم بهذه الطريقة، فذلك لأن المحتويات التي وقع عليها الحكم إياه تقيم علاقات منطقية معينة. ومن ثم، فإن حجة معيارية المنطق تجانب الأساسي، وهو التمييز بين الأفعال العقلية ومحتوياتها. طالما أن اللابسيكولوجيين لم يركزوا سوى على البعد المعياري للمنطق، فقد كان من السهل على البسيكولوجيين الإجابة على ذلك بأن الأمر لايزال يتعلق دائما  بالأفعال العقلية، بحيث كان على المنطق أن يتأسس على الأقل جزئيا على علم النفس. بيد أن المنطق يهتم أولاً بالعلاقات المثالية بين المحتويات. فهو لا يهتم بالأفعال العقلية إلا في وقت لاحق وعلى أساس استعداد الأخيرة للامتثال للقوانين المثالية. من أجل قياس المدى الكامل للنزعة البسيكولوجية، فإنه ليس كافياً بالتالي تعارض المنطق المعياري مع علم النفس؛ من الملائم أيضاً تمييز المنطق المثالي، الذي ينص على العلاقات بين المحتويات، عن المنطق المعياري، الذي يخطو بعد ذلك خطوة نحو علم النفس من خلال الاهتمام بالعلاقات التي يجب أن تقيمها الأفعال العقلية لأجل احترام هذه العلاقات المثالية.

سوف يكون لنقد النزعة البسيكولوجية تأثير حاسم على بنية " Recherches logiques "، التي تشكل امتدادا ل"Prolégomènes". ولقد تم تخصيص هذه الأبحاث قبل كل شيء لنظرية المعرفة. باعتباره وفيا لبرنتنو، لشتومبف ولأعماله التي أنجزها في مرحلة شبابه، كان هوسرل مايزال يفرد دائما مكانة مركزية لعلم النفس الوصفي. هذا الأخير لا يجب التخلي عنه. والسبب في ذلك أنه إذا كان من الملائم التمييز بوضوح بين الأفعال العقلية ومحتوياتها المثالية، فإن دراسة الأولى تظل ضرورية، لأنه بداخلها يمكن رؤية الثانية، وتكون ربما معطاة أيضا. نقد النزعة البسيكولوجية أدي إلى توزيع  المهام: نظرية المعرفة تتطلب عملا إضافيا من المنطق، الذي ييؤصل المحتويات بمعناها المثالي، ومن علم النفس الوصفي الذي يصف الكيفية التي تستطيع أن تصير بها موضوعا للأفعال العقلية للتمثيل أو الحكم أو التقييم.
(يتبع)

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,935,اخبار العرب,1053,اخبار المغرب,2528,إعلام,273,اقتصاد,419,المراة,73,تدوين,545,تغريدات,25,تغريدة,5,تقارير,688,حرية,266,حوارات,43,رياضة,209,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,315,صحافة,25,صحة,195,صوت و صورة,730,علوم و تكنولوجيا,234,عناوين الصحف,286,فلسطين المحتلة,25,فنون,183,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1265,مجتمع,510,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,409,ملفات,51,منوعات,385,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : مترجم/التوتر بيت التطلعات العقلانية والمتطلبات التجريبية في فلسفة إدموند هوسرل (10/3)
مترجم/التوتر بيت التطلعات العقلانية والمتطلبات التجريبية في فلسفة إدموند هوسرل (10/3)
https://1.bp.blogspot.com/-lVznsUYgaKI/WxxLFPq5qMI/AAAAAAAAtwo/BrGrBq1YQK0uFoCcrRPaAHQr97UA0eO_wCLcBGAs/s640/Frases-de-Edmund-Husserl.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-lVznsUYgaKI/WxxLFPq5qMI/AAAAAAAAtwo/BrGrBq1YQK0uFoCcrRPaAHQr97UA0eO_wCLcBGAs/s72-c/Frases-de-Edmund-Husserl.jpg
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2018/06/103.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2018/06/103.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy