الحمودي: بفعل المقاطعة أصبح المغاربة يشعرون بأنهم يمتلكون سلطة لم تكن تعد في الحسبان

مقال للأنتروبولوجي المغربي عبد الله الحمودي حول حراك"مقاطعون" شملت موجة مقاطعون حسب علمي ثلاث مواد: نوع من الحليب ومشتقاته...

مقال للأنتروبولوجي المغربي عبد الله الحمودي حول حراك"مقاطعون"

شملت موجة مقاطعون حسب علمي ثلاث مواد: نوع من الحليب ومشتقاته، وشركة لتوزيع المحروقات، ونوع من المياه المعدنية. لكن أن نأتي على ذكر هذه المواد لايكفي. من أجل التدقيق لا بد من ذكر أسماء الشركات التي تنتج وتسوق تلك المواد، وهي شركة سنطرال للحليب ومشتقاته، وشركة إفريقيا لتوزيع المحروقات، وشركة ماء سيدي علي. لا أعرف بالضبط مصادر رؤوس أموال شركتي توزيع المحروقات ومياه سيدي علي، لكن من المعلوم أن الصرح المالي لشركة سنطرال تشترك فيه رؤوس أموال فرنسية ومغربية.

هناك جوانب يمكن أن تعين على فهم هذه الظاهرة، أي ظاهرة مقاطعون. والمهم ليس حصر تلك الجوانب أو الإحاطة بها من جميع نواحيها، ولكن هاكم بعض الأفكار كمساهمة في نقاش ثقافي واسع يدور اليوم عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ونجد صداه في اللقاءات اليومية للمواطنين.

1 – هذا فعل اجتماعي جديد ينم عن مجهود فكري وإبداعي. كذلك يظهر أن زمام المبادرة من طرف الأجيال التي صارت تمثل الأغلبية الديمغرافية في بلادنا ربما من عمر المراهقة إلى سن الأربعين. معنى ذلك أن هذه الأجيال من مواليد عقد الثمانينات وما بعده. غالبيتها تمدرست واندمجت في سوق عمل متنامي ومتقلب. وجلها اصبح يعيش في عصر ثورة الانترنيت والهجرات المعولمة.

2 – تلعب وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة دورا خطيرا في هذه الحملة. ويشارك في الفعل التواصلي الذي يحرك الموجة مقاطعون بأعداد ضخمة من داخل المغرب وكذلك من خارجه نظرا للهجرات وتواجد الشتات المغربي في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا وكندا وبلدان أخرى من العالم. ومعروف أن هذا التواصل يحرك الموجة، ثم يعيد الدورة بإعادة نشر ما تحقق يوميا بفعلها. هذه الدورة تحرك ديناميات جديدة..

في هذه الحالة غير المسبوقة في تاريخ المغرب المستقل أصبح التحكم في الموجة وتدبيرها من الصعب إن لم نقل من المستحيل. فالدول لها  وسائل مراقبة و اختراق الشبكة  العنكبوتية. لكن داخل نفس الشبكة يوجد ذوو خبرات في الإلتفاف على كل أشكال الرقابة والضبط اللذان تمارسهمها الدولة وأجهزتها.

فبعد الموجة الأولى من المقاطعة وما حققته من نجاحات، ها هي مقاطعون تتوسع يوما بعد يوم. فقد علمنا من خلال وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بإطلاق حملة جديدة، وهذه المرة لمقاطعة السمك أسفرت عن ضغوطات أدت إلى خفض أسعار هذه المادة في عدد من المدن المغربية، وذلك بعد أن ارتفعت بكيفية غير مبررة. وها هي تنسيقيات في مجال التعليم تهدد هي الأخرى باللجوء إلى سلاح المقاطعة للدفاع عن مطالبها .

3 – حراك مقاطعون الفيسبوكي، وباستثناء تهديدات الأساتذة لمقاطعة الامتحانات،  ربما يعتبر الأول في تاريخ المغرب المستقل  الذي يختار الإقتصاد كمجال للفعل النضالي.ليست الأحزاب، ليست الصحافة، ليس التظاهر في الشارع وغيرها من أشكال النضال  من أجل هدف معين في الساحة المغربية. رد على هذا ان خطاب مقاطعون يأتي في كلمات معدودات: الحيف الاحتكاري، الأرباح غير المشروعة، والأسعار المرتفعة من غير موجب يبررها (حسب رواد الفيسبوك). مما يسحق الطاقة الشرائية للمواطنين . 

صحيح أن مواد مثل "سيدي علي" والبنزين لا تستهلكها إلا نساء ورجال الطبقات العليا والوسطى، لكن سعر البنزين ينعكس على أسعار المواد المستهكلة عموما من طرف الشعب قاطبة.  وينعكس بصفة حادة على التموين خاصة خلال شهر رمضان.

4 – في الحالات الثلاث الأولى استهدفت شركات استحوذت على السوق في غياب المنافسة الشريفة  والمقننة. والانطباع  السائد في المجتمع هو أن أصحابها من ذوي الامتيازات والتّنفذ. وإن اكتساحها إن لم نقل تغولها في الاقتصاد والسوق الوطنية راجع إلى الريع، والجمع بين وسائل التَّنفذ السياسي وخيوط الاستغناء السريع.

لكن الجديد في هذا الباب هو كون فعل المقاطعة هو فعل تقني محض: "أنا آسيدي ما شريش.."، ومع ذلك فهو فعل سياسي بصفة مباشرة يلحق الضرر بالشركات المعنية وبصفة آنية. لذلك فهو يضرب في العمق صرح الاقتصادي الاحتكاري، وهذا الأخير إن ضربه زلزال فإن موجات ارتداده ستخلخل المنظومة الإدارية والسياسية.

واضح أن وسائل التحكم في هذا النوع من الحراك تبدو شبه منعدمة.  إذ أن إخماد الحركات الاحتجاجية التقليدية مثل حراك الريف وجرادة  وزاكورة ممكن بواسطة آليات الضغط والقمع المعروفة ولو لفترة محدودة في الزمان، لكن إرغام المستهلك على الشراء غير ممكن البتة. هناك عوامل تؤثر في القدرة الشرائية للناس  كالرواتب والضرائب ومن المؤثرات الخطيرة هناك رفع الاسعار... لكن، ماذا عن إمساك الناس عن الشراء؟ !

بفعل المقاطعة أصبح المغاربة يشعرون بأنهم يمتلكون سلطة لم تكن تعد في الحسبان. إنها سلطة الإمساك عن الشراء. وأعتبرها بداية نوع من الفعل الاجتماعي الذي يجعل المواطن هو من يقرر في مصيره اليومي. وهي نوع من ممارسة السيادة بالفعل.

5 – يبقى أن هناك سؤال يتعذر الآن الجواب عليه وينبغي معالجته بحذر شديد. فإذا سلمنا أن الشركات المستهدفة في البداية هي شركات راكمت ثرواتها بسبب قربها من دوائر القرار الحاسمة، فلماذا استهدفتها هذه الحملة بذاتها دون غيرها؟ كثيرة هي الشركات التي تستفيد من النفوذ السياسي وتستغل قربها من دوائر سياسية على أعلى مستويات في البلاد. ليس لدي معطيات في هذا الشأن. لكن هناك ملاحظة حيوية تتلخص في كون التواصل عبر الشبكة وداخل العالم الافتراضي عموما لا تتحرك بمعزل عن العلاقات اليومية العادية. فما يجري في الشبكة العنكبوتية يؤثر في حياة الناس. لكن مايجري في الشبكة يتأثر ايضا بما يدور بين الناس من مناقشات على أرض الواقع غير الافتراضي وذلك بفعل روابط الجوار، والتعارف، والعلاقات الأسرية وفضاء الشغل. كذلك فإن "الإنزال" الالكتروني في الانترنيت ممكن من طرف أي تنظيم أكان ينتمي إلى الآلة الإدارية أو الحزبية أو غيرها. وتوجيه الحملة أو على الأقل جزء منها ضد شركة أو الشخص الذي يقف ورائها، يبقى شيء وارد.

6 – ومع ذلك فإن شكل الحراك الجديد له استعداد رهيب للانتشار لا يحده أي توجيه محتمل كيفما كان مصدره.

نحن أمام ظاهرة جديدة في مجال التعبئة معالمها مغايرة تماما لطرق التعبئة التقليدية. وإذا سلمنا انها غير مسبوقة في مغرب الاستقلال فإنه سيكون من المفيذ أن نتذكر أنواعا من المقاطعة مورست في أوائل الخمسينات من القرن الماضي  كوسيلة لمقاومة الاستعمار. أتذكر مقاطعة التبغ والغاز فورنو الطبخ)، ومواد أخرى كانت الحركة الوطنية أوصت المغاربة بالإمساك عن استهلاكها أو اقتنائها لضرب مصالح المستعمر. طبعا، لا سبيل للخلط بين الحركتين والمرحلتين. لكن الأهم هو أن حركة الامساك عن الشراء والمقاطعة تأتي اليوم بعد حراك 20 فبراير، وحركات أخرى تجري أشواطها في مدن وقرى وأمام المحاكم.

ولذلك لا أتوقع أن أيا من كل أنواع هذه الحركات ستتوقف مهما كانت قوة آلة القمع والضغط والضبط. فحراك مقاطعون، الذي هو استمرار وامتداد لكل أنواع الحراك الاجتماعي فتح آفاقا جديدة للنضال لم تكن متوقعة. وسوف تتنامى إن استمر التضييق على أشكال التظاهر السلمي الأخرى من أجل الحقوق الاساسية.

COMMENTS

$type=carousel

الاسم

اخبار العالم,991,اخبار العرب,1130,اخبار المغرب,2845,إعلام,280,اقتصاد,464,المراة,73,تدوين,572,تغريدات,27,تغريدة,5,تقارير,717,حرية,287,حوارات,46,رياضة,216,زاوية نظر,38,شؤون ثقافية,324,صحافة,37,صحة,202,صوت و صورة,754,علوم و تكنولوجيا,239,عناوين الصحف,313,فلسطين المحتلة,42,فنون,189,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1328,مجتمع,550,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,444,ملفات,51,منوعات,390,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : الحمودي: بفعل المقاطعة أصبح المغاربة يشعرون بأنهم يمتلكون سلطة لم تكن تعد في الحسبان
الحمودي: بفعل المقاطعة أصبح المغاربة يشعرون بأنهم يمتلكون سلطة لم تكن تعد في الحسبان
https://1.bp.blogspot.com/-BKwqVj_Iyqg/Ww7tAbT1MdI/AAAAAAAAtls/C_A1z80HLLcws9-1JesiFDi7eZtSwFhsACLcBGAs/s640/hamoudi_283961857.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-BKwqVj_Iyqg/Ww7tAbT1MdI/AAAAAAAAtls/C_A1z80HLLcws9-1JesiFDi7eZtSwFhsACLcBGAs/s72-c/hamoudi_283961857.jpg
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2018/05/blog-post_61.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2018/05/blog-post_61.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy