رصاصة بنكيران الأخيرة - علي أنوزلا*

في آخر اجتماع للمجلس الوطني لحزب "العدالة والتنمية" (برلمان الحزب)، قال عبد الإله بنكيران، أمين عام الحزب الإسلامي الذي يرأس ا...

في آخر اجتماع للمجلس الوطني لحزب "العدالة والتنمية" (برلمان الحزب)، قال عبد الإله بنكيران، أمين عام الحزب الإسلامي الذي يرأس الحكومة في المغرب، لإخوانه: "إذا كانت لديكم رصاصة واحدة فلا تطلقوها الآن، اتركوها للمؤتمر"، وكان يقصد أن يحتفظوا برأيهم، إلى أن ينعقد مؤتمر الحزب نهاية هذا العام، ليحسموا في قرار منحه ولاية ثالثة بعد أن استنفذ الولايتين الشرعيتين اللتين يسمح له بهما قانون الحزب الأساسي، وزاد عليهما سنة أخرى إضافية ممد له فيها إخوانه رئاسته عليهم.

لكن بنكيران نفسه لم يستطع أن يحتفظ بآخر رصاصة في جعبته ولم ينتظر حتى ينعقد مؤتمر حزبه، وإنما اختار عز الصيف ليخرج كل ذخيرته حتى لا يأتي الخريف (موعد انعقاد المؤتمر) ويقال له "الصيف ضيعت اللبن". فمنذ الآن حمل الرجل عصاه وراح يلوح بها مجددا يهش ويلكز وينغز ويضرب بها في كل الاتجاهات. 

ففي لقاء جمعه نهاية الأسبوع الماضي مع شبيبة حزبه كشف بنكيران عن النسخة الثانية من حياته السياسية بعد إعفائه من طرف الملك من رئاسة الحكومة في منتصف شهر مارس / آذار الماضي. ولأول مرة عرف الرأي العام المغربي أن قرار الإعفاء كان قاسيا على الرجل الذي رأس حكومة بلاده طيلة خمس سنوات الماضية، ظل خلالها شاغل الناس ومالئ دنياهم. وفي لحظة اعتراف صريح قال بنكيران إن ما وصفها بـ "محنة" إعفائه جعلته ينهار وكادت أن تؤدي بحياته نهائيا! قبل أن يعود، وفي تناقض صارخ مع نفسه ليقول بأنه "خرج مرفوع الرأس"! فكيف لمن انهار وكاد يموت أن يخرج مرفوع الرأس؟!

لكن، مثل كل سياسي متمرس، عاد بنكيران ليقول بأن لقائه مع شبيبة حزبه، جعله يحيا من جديد وأعاد له الروح، على حد قوله، وذلك بعد أن راجت أنباء عن وجود "خيانات" بين صفوف قياداته خذلته وزادت من "محنته".
بنكيران في "نسخته" الجديدة عاد إلى لغته المفضلة، لغة "ناصح البلاط"، " يَبُخّ ويكوي" كما يقول المثل الشعبي، يٌرسل رسائله في كل الاتجاهات إلى كل من يهمهم الأمر. فرجل الدولة الذي وقف أمام البرلمان مرارا وتكرارا، عندما كان رئيسا للحكومة، مدافعا عن قرارات حكومته اللاشعبية بدعوى أن فيها مصلحة البلد، عاد ليتبنى لغة المعارض محذرا من النار التي توجد تحت الرماد. والسياسي الذي وقف في وجه الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب عام 2011، ودافع عن دستور وصفه من عارضوه آنذاك بأنه "ممنوح" لا يعكس "الإرادة الشعبية" عاد ليدعو شباب حزبه إلى الاستعداد للتضحية من أجل مبادئهم وأفكارهم، ويطالب بتعديل الدستور الذي طالما أٌتهم هو نفسه بعدم تفعيله عندما كان رئيسا للحكومة، ليبرر تنازلاته باحترام "الأعراف" و"التقاليد المرعية"..

بنكيران يريد أن يُقدم نفسه من جديد منقذا للبلاد وهو الذي أمضى خمس سنوات رئيسا لحكومتها بصلاحيات دستورية لم يسبقه إليها أي وزير أول سابق في تاريخ المغرب، لكنه طيلة سنوات جلوسه على كرسي رئاسة الحكومة أَحكم إغلاق باب خزنة مكتبه على الدستورـ بكل مؤاخذات معارضيه، ليعود إلى إتباع الأعراف والتقاليد، كل ذلك من أجل كسب ثقة القصر وود ساكنه.

لذلك لم يتقبل بنكيران قرار إعفائه من طرف الملك، وأخبرنا بأن القرار الملكي جعله "ينهار" و"كاد يؤدي بحياته"، ليس لأنه استطاب الجلوس على الكرسي أو استلذ ما يمنحه له من امتيازات، فهذه طبيعة بشرية لا يسلم منها حتى الزاهدون المتعبدون، وإنما لأنه لم يستوعب، وهو صاحب الثقافة الدعوية، كيف يٌنكر جميله ويٌنسى معروفه ويٌجحد بفعله ولا يٌعترف بفضله عندما وقف ضد الحراك الشعبي عام 2011 واصطف وراء السلطة التي تنكرت له اليوم وأبعدته من بلاطها بتلك الطريقة المذلة والمهينة التي يبدو أن كبرياء الرجل لم تستوعبها.

كان يمكن لبنكيران أن يخرج فعلا مرفوع الرأس من الأزمة الحكومية التي عٌرفت في المغرب بـ "البلوكاج"، أي فترة الاعتراض ووضع العراقيل أمامه لتشكيل حكومته الثانية بعد انتخابات 7 أكتوبر 2016، والتي استغرقت ستة أشهر ونيف. فقد اعترف بنكيران نفسه بأن قرار إزاحته من رئاسة الحكومة كان جاهزا ينتظر فقط ترتيب إخراجه، ومع ذلك استسلم لقدره حتى أٌعفي بالطريقة المهينة والمذلة التي لم يتجرع مٌرَّ كأسها بعد.

اليوم يعود بنكيران من جديد لكن بخطابه القديم، مراهنا على إعادة بناء "الثقة" داخل صفوف حزبه وبين حزبه والسلطة التي خذلته، ومن استمع إلى خطابه الأخير أمام شبيبة حزبه لن يخرج بجديد، فالرجل مازال يضع نفسه وحزبه رهن إشارة خدمة نفس السلطة وبنفس الأدوات التي قتلت السياسة وأفقدت الناس الثقة في أصحابها وسحبت كل مصداقية عن فعلها. 

رصاصة بنكيران الأخيرة التي أطلقها قٌبيل انعقاد مؤتمر حزبه الذي سيحسم في مستقبله السياسي، لن تصيب هدفها ليس لأنه أطلقها قبل موعدها، أو في الوقت الضائع، وإنما لأنها حملت في أحشائها ذخيرة خامدة تجاوزت مدة صلاحيتها بخمس سنوات ونيف..

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,895,اخبار العرب,960,اخبار المغرب,2255,إعلام,267,اقتصاد,395,المراة,69,تدوين,517,تغريدات,24,تغريدة,4,تقارير,660,حرية,248,حوارات,35,رياضة,194,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,259,صحافة,18,صحة,190,صوت و صورة,694,علوم و تكنولوجيا,227,عناوين الصحف,176,فنون,176,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1155,مجتمع,471,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,383,ملفات,51,منوعات,378,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : رصاصة بنكيران الأخيرة - علي أنوزلا*
رصاصة بنكيران الأخيرة - علي أنوزلا*
https://4.bp.blogspot.com/-20dtptmUz6s/WYsKbMUnj3I/AAAAAAAAoZ4/z1F2Y_COWXUsV2QOZ9m1eNzcVTSl2OChACLcBGAs/s640/Ali-Anouzla-800x478.jpg
https://4.bp.blogspot.com/-20dtptmUz6s/WYsKbMUnj3I/AAAAAAAAoZ4/z1F2Y_COWXUsV2QOZ9m1eNzcVTSl2OChACLcBGAs/s72-c/Ali-Anouzla-800x478.jpg
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2017/08/blog-post_9.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2017/08/blog-post_9.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy