الزفزافي عاريا - علي أنوزلا*

أثار مقطع فيديو مسرب يظهر فيه زعيم "حراك الريف" ناصر الزفزافي، المعتقل على ذمة التحقيق منذ أكثر من شهر، وهو شبه عار، يرفع لباس...

أثار مقطع فيديو مسرب يظهر فيه زعيم "حراك الريف" ناصر الزفزافي، المعتقل على ذمة التحقيق منذ أكثر من شهر، وهو شبه عار، يرفع لباسه ويكشف عن جسده، الكثير من ردود الفعل الغاضبة والمستنكرة لما اعتبر انتهاكا لحرمة معتقل المفروض أنه يوجد في حماية قانونية من طرف الجهة التي اعتقلته وأمرت بسجنه.

الموقع الإلكتروني صاحب هذا "السبق" الفضيحة، والجهة التي سربته له، بررا نشر الفيديو بأنه دليل آخر على أن زعيم حراك الريف وأيقونته، لم يتعرض للتعذيب كما "زعم" هو ودفاعه، والحقيقة أن الكدمة التي ظهرت على جسد الزفزافي على مستوى كليته اليمنى من الخلف تؤكد أن الرجل ما زال يحمل أثار ما مورس عليه من عنف قد تكون اختفت بعض آثاره لكن الكدمة التي ظلت بادية على جسده، بعد مرور شهر ونيف، تؤكد مستوى العنف الذي تعرض له بعد اعتقاله.

وبما أن عملية النشر أتت عكس أكلها فقد بادر الموقع الذي نشر الفيديو والجهة التي سربته له إلى سحبه، لكن ظل منتشرا بعد أن تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي. وكرد فعل رسمي أمرت النيابة العامة وهي الجهة المسؤولة عن اعتقال الزفزافي، وبالتالي فهو يوجد في عهدتها وحمايتها، بفتح تحقيق في خلفيات وظروف تصوير الفيديو والجهة التي سربته وتلك التي أمرت بنشره.

قضية "الزفزافي غيت"، في إشارة إلى الفضيحة التي ستحمل مستقبلا اسم زعيم "حراك الريف" وستلاحق صورة المغرب الحقوقية في المحافل الدولية، انتقلت بسرعة إلى البرلمان المغربي بعد أن انتشرت كالنار في الهشيم في المواقع الاجتماعية، وبدأت من الآن تطرح الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة سريعة ومقنعة قبل أن تقترب النار أكثر من الحطب. 

ومن الآن بدأت الجهات المعنية بالتحقيق تتقاذف التهم فيما بينها لإخلاء مسؤوليتها من الجريمة التي ارتكبت، لأن تصوير معتقل سياسي شبه عاري في معتقله ونشر صوره على الملأ، قبل أن يكون مخالفا للقانون وللأعراف وللأخلاق والقيم، هو في حد ذاته نوع من التعذيب النفسي الذي يرقى إلى مستوى جرائم التعذيب التي يعاقب عليها القانون المغربي والقوانين الدولية التي صادقت عليها الدولة المغربية.

والتحقيق الذي أمرت به الجهات المختصة حول هذه الواقعة يفرض الإجابة عن الكثير أسئلة من قبيل مكان وظروف التسجيل، والجهة التي أمرت بالتصوير وأشرفت عليه، وتلك التي قامت بالتسريب وأمرت بالنشر، وتلك التي أمرت بحذف الفيديو، لأن الهدف كان أيضا هو التستر على جريمة ارتكبت ومحاولة لتضليل القضاء، هذا في حال وصلت القضية فعلا إلى القضاء، فقد جرت العادة في المغرب أن الكثير من القضايا والفضائح التي يؤمر فيها بفتح تحقيقات سرعان ما يتم طيها ونسيانها بعد تهدأ العواصف التي تثيرها ويختفي اهتمام الرأي العام بها..

 وحتى قبل أن يٌفتح التحقيق فقد بادرت إدارة السجن الذي يعتقل فيه الزفزافي إلى نفي أن يكون الفيديو قد صور داخل مؤسساتها، ورمت بذلك بالكرة في ملعب الشرطة القضائية التي كانت تعتقله والتي وجه لها حقوقيون ومحامون أصابع الاتهام في عملية التسريب والنشر، على اعتبار أنها من بين الجهات المستفيدة من عملية النشر التي كانت تهدف إلى إبعاد تهمة التعذيب، الذي "زعم" الزفزافي ورفاقه التعرض إليه أثناء اعتقالهم وخلال فترات التحقيق معهم.  

وفي نفس الوقت قال أحد أعضاء هيئة دفاع الزفزافي بأن تصوير الفيديو تم أثناء عملية التحقيق في "مزاعم" الزفزافي بتعرضه للتعذيب، لذلك بدا واقفا مطمئنا وهو يرفع لباسه ليعري عن جسده أمام الأطباء اللذين كلفهم "المجلس الوطني لحقوق الإنسان" وهو هيئة رسمية مغربية، للتَّحقُّق من تلك المزاعم.

وفي حال صحة ما ذهب إليه دفاع الزفزافي، فإن الفيديو يطرح سؤالا آخر أكبر يتجاوز مسؤولية الأجهزة والإدارات والمؤسسات في هذه الفضيحة ليطال مهنة شريفة هي مهنة الطب.  فهل كان مطلوبا من الطبيبين اللذين قاموا بمعاينة الزفزافي أن يصوراه عاريا؟ المعروف والمفروض هو أن الأطباء محلفين، وشهاداتهم المكتوبة تكفي أمام المحاكم.

كما أن أخلاق مهنة الطب تفرض على مزاولي هذه المهنة الالتزام الأخلاقي بقسم أبقراط، أبي الطب، الذي يعتبر "قانونا أخلاقيا" يأتي حتى قبل القوانين المكتوبة الجاري بها العمل. فماذا يقول هذا القانون الأخلاقي؟ نقرأ في قسم أبقراط مايلي: " وأيا كانت البيوت التي قد أزورها، فإنني سأدخل لنفع المريض، على أن أظل بعيدًا عن جميع أعمال الظلم المتعمَّد، وجميع الإساءات وبخاصة العلاقات الجنسية سواء مع الإناث أو مع الذكور أحرارًا كانوا أو عبيدًا. وسوف أظل حريصًا على منع نفسي عن الكلام في الأمور المخجلة، التي قد أراها أو أسمعها أثناء فترة المعالجة وحتى بعيدًا عن المعالجة فيما يتعلق بحياة الناس، والتي لا يجوز لأحد أن ينشرها.."

والحقيقة أن تصوير فيديو لزعيم "حراك الريف" أخل بهذا القسم من أكثر من زاوية، فهو ظلمه، وأساء إليه، وجعل ما كان يجب أن يظل "سرا مهنيا" مكشوفا عاريا ومنشورا.. وفي هذا تتحمل هيئة الأطباء مسؤوليتها في مسائلة الطبيبين اللذين تم تصوير  الزفزافي بأمر من هما وتحت إشرافهما، كما يتحمل "المجلس الوطني لحقوق الإنسان" المفروض فيه حماية حقوق الإنسان، المسؤولية في ما وقع لأنه هو الجهة التي أشرفت على التحقيق وأنجزته واعتمدت على طبيبين أخلا بأبسط حقوق الشخص الذي قاما بمعاينته آلا وهو حقه في صيانة خصوصيته وحماية كرامته.

 وأخيرا هناك مسؤولية النشر التي لا يجب إغفالها والتي لم يحترم أصحابها أخلاق مهنة شريفة هي مهنة الصحافة، وهنا تطرح أيضا مسؤولية نقابة الصحافة والهيئات المعنية بالدفاع عن أخلاق وشرف المهنة، ومسؤولية الصحفيين ووسائل الإعلام التي تحول الكثير منها إلى أدوات طيعة لتصفية حسابات لا علاقة لها بأخلاق المهنة وشرفها.

لقد كان الغرض من وراء نشر فيديو لأيقونة "حراك الريف" هو "إذلاله" و"الحط من كرامته" أمام أنصاره، لكنه أنتج ردود أفعال عكسية، فمن بدا عاريا في الفيديو هو الأجهزة الأمنية والقضاء وإدارة السجون، وشرف مهنة الطب، وأخلاق الصحافة، وبكلمة واحدة الدولة المغربية التي أسقط عنها الفيديو أوراق التوت التي كانت تحاول أن تستر بها بعضا من "عورات" أجهزتها ومؤسساتها المعطوبة.

الحقيقة أن الزفزافي هو الذي ينتصر كل يوم على سجانيه، فكلما أمعنوا في اعتقاله والتنكيل به وإهانته يخرج عليهم منتصرا شامخا كبيرا.. فالأبطال الحقيقيون يولدون من صلب المحن
ردود الفعل الأولى المستنكرة والتي صدرت عن رواد المواقع الاجتماعية شبهت فيديو الزفزافي بالمشاهد التي بثتها القوات الأمريكية المحتلة للعراق عند "اعتقالها" للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بدعوى أن الهدف من النشر في الحالتين هو الإهانة والإذلال وكسر شوكة المقاومة وتحطيم معنويات الأتباع.

لكن، ما لم يكن يدركه من سربوا وأمروا بنشر المقطع المهين لزعيم "حراك الريف"، هو أن أنصاره وأتباعه لم يكونوا ينتظرون ظهور زعيمهم على شريط فيديو مسرب، ليروه عاريا أمامهم، فهو منذ اليوم الأول الذي وقف أمامهم زعيما كان عاريا عري المسمار واضحا وضوح الشمس في كبد السماء. فهو كزعيم حقيقي نبت وسط الشعب وخرج من صلب التراب عاريا بدون انتماء سياسي ولا ولاء حزبي ولا حماية من أية جهة كانت، تلك هي قوة هذا الزعيم الذي سبق له أن وجه رسالة من زنزانته لأنصاره يقول لهم فيها: "أمل أن يكون في سجني حريتكم، وفي موتي حياتكم، وفي انهزامي انتصاركم".

والحقيقة أن الزفزافي هو الذي ينتصر كل يوم على سجانيه، فكلما أمعنوا في اعتقاله والتنكيل به وإهانته يخرج عليهم منتصرا شامخا كبيرا.. فالأبطال الحقيقيون يولدون من صلب المحن والزعامات الحقيقية لا تزيدها معاناتها إلا صقلا مثل المعادن الأصيلة التي لا تزيدها أشعة الشمس الحارقة إلا لمعانا يٌغشي الأبصار ويٌعمي البصائر.

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,887,اخبار العرب,932,اخبار المغرب,2188,إعلام,265,اقتصاد,386,المراة,69,تدوين,505,تغريدات,22,تغريدة,4,تقارير,649,حرية,243,حوارات,35,رياضة,193,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,249,صحافة,18,صحة,187,صوت و صورة,690,علوم و تكنولوجيا,226,عناوين الصحف,163,فنون,172,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1133,مجتمع,452,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,378,ملفات,41,منوعات,377,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : الزفزافي عاريا - علي أنوزلا*
الزفزافي عاريا - علي أنوزلا*
https://1.bp.blogspot.com/-Na7wiVN0reo/WWdTdRdML9I/AAAAAAAAoM0/YO6f3ZochsEt53IEAiHPEBgWK-OuS2bOQCLcBGAs/s640/Ali-Anouzla-800x478.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-Na7wiVN0reo/WWdTdRdML9I/AAAAAAAAoM0/YO6f3ZochsEt53IEAiHPEBgWK-OuS2bOQCLcBGAs/s72-c/Ali-Anouzla-800x478.jpg
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2017/07/blog-post_13.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2017/07/blog-post_13.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy