عن حراك الريف المغربي - علي أنوزلا*

يتواصل منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي ما بات يعرف في المغرب "حراك الريف"، نسبة إلى الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها...

يتواصل منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي ما بات يعرف في المغرب "حراك الريف"، نسبة إلى الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها منطقة جبال الريف في أقصى شمال المغرب، والتي اندلعت في مدينة الحسيمة (إحدى مدن أقصى شمال المغرب) على أثر ‏مقتل بائع السمك، محسن فكري، في شاحنة جمع الزبالة في أثناء محاولته استرداد السمك الذي صادرته منه ‏السلطات.‏
ومنذ تلك الحادثة المأساوية، والتظاهرات تتواصل بوتيرة أسبوعية، وتتمدّد عبر مدن وقرى المنطقة، لتحتج على الأوضاع الاجتماعية القاسية التي تعيشها المنطقة، وتكشف عن حجم الاحتقان الاجتماعي الذي يوجد فيها بسبب ارتفاع معدلات البطالة، خصوصا في أوساط الشباب، والإحساس بما يسميه نشطاء الحراك بـ "التهميش" و"الحكرة"، واستشراء الفساد، على الرغم من أن منطقتهم تعتبر من المناطق التي ضخت فيها الدولة استثمارات عمومية كثيرة زهاء عقد ونيف. 
وحسب تصريحات والي (محافظ) المنطقة، فقد استثمرت الدولة حوالي 25 مليار درهم (1 يورو يعادل 10.8 دراهم مغربية) في المنطقة في ظرف 12 سنة، كما وضعت برنامجا للتنمية يمتد حتى 2019، رصدت له 9 مليارات درهم. من دون الحديث عما تتوفر عليه المنطقة من موارد طبيعية، ممثلة في الصيد البحري، وزراعة القنب الهندي الممنوعة في المغرب، إلا أنها موجودة في منطقة الريف التي تعتبر أكبر منتج لهذه النبتة المخدّرة في المغرب. وحسب تقرير للخارجية الأميركية عام 2017، فإن "إنتاج الحشيش في المغرب يقارب 23 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي الذي يصل إلى 100 مليار دولار"، لكن هذا الرقم الفلكي، أي 23 مليار دولار، لا تصل عائداته إلى المزارعين الصغار الذين يبيعون زراعتهم كمادة خام بأسعارٍ بخسة لكبار المهرّبين. ومع ذلك، يعيشون مطاردين من السلطات المغربية، باعتبارهم الحلقة الأضعف في زراعة هذه النبتة التي تكاد تكون الوحيدة التي تجود بها عليهم طبيعة تضاريس منطقتهم.
جاء "حراك الريف" لكشف الغطاء عن هذه الأوضاع التي كانت دائما موجودة في المنطقة، وبدأت تتجلى واضحةً في شعارات المتظاهرين التي تطالب بالتشغيل ومحاسبة المفسدين، بمن فيهم كبار المسؤولين، ومطالبة الدولة برفع حالة "التهميش التاريخي" الذي يقول المتظاهرون إن منطقتهم مازالت تعاني منه، على الرغم من كل محاولات "المصالحة" التي قامت بها السلطة المركزية في الرباط، منذ تولى الملك محمد السادس الملك عام 1999. 
وأسبوعا بعد أسبوع، أخذ هذا الحراك الشعبي الذي ظل يحافظ على سلميته منذ انطلاقته، يأخذ بعدا وطنيا ودوليا، من خلال تأسيس لجنة وطنية للتضامن معه، وتنظيم وقفات تضامنٍ رمزيةٍ معه في الرباط، وفي عواصم أوروبية في بلاد المهجر التي يوجد فيها متحدرون كثيرون من المنطقة نفسها.‏
تعاملت الدولة، حتى الآن، بمرونة مع هذا الحراك، أحيانا بالتغاضي عن مسيراته الاحتجاجية الضخمة التي يبدع الناشطون أسبوعيا في أشكال إخراجها، أو من خلال المنع والقمع والتهديد والترهيب، أو عبر حملات إعلامية مضادّة تقودها وسائل إعلام مقرّبة من السلطة، تتهم الحراك بـ "العمالة للخارج"، وبـرفع مطالب لـ "الانفصال"، وبالسعي إلى "الفتنة". وآخر الردود الرسمية صدر الأسبوع الماضي عن اجتماعٍ لأحزاب الأغلبية الحكومية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، اتهم الحراك بتجاوز سقف "المطالب الاجتماعية"، وظهور مطالب سياسية تتجاوز "الخطوط الحمراء"، ما يعني في القاموس الرسمي المغربي "المسّ بالمقدّسات" التي يجسّدها في المغرب ثلاثي "الملك، والوحدة الترابية، الدين". 
أحد أسباب توجيه هذه التهم الثقيلة إلى الحراك يجد له تبريره عند السلطة في استدعاء المحتجّين رموزاً تاريخية من منطقتهم، يرفعونها في أثناء تظاهراتهم، مثل صور الزعيم التاريخي محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي حارب الاستعماريْن الإسباني والفرنسي في المنطقة في عشرينيات القرن الماضي، ورفع العلم الذي اتخذه رمزا لحركة التحرّر التي كان يقودها، والتي تجاوز صداها آنذاك حدود المغرب.
لكن هذه ليست سوى تبريراتٍ تخفي الخوف الحقيقي لدى السلطة من انتقال العدوى إلى مناطق أخرى في المغرب أكثر هشاشة وتهميشا من منطقة الريف، وقد بدأت فعلا بوادر "حراك في أكثر من منطقة في المغرب، ما جعل السلطة تخشى من عودة "الحراك الشعبي" الذي شهده المغرب عام 2011 بتأثيرٍ من رياح "الربيع العربي". ويجد هذا التخوف ما يبرّره في الشعارات القوية التي يرفعها المتظاهرون في منطقة الريف، وهي نفسها التي كان يردّدها "الحراك الشعبي" الذي عم جل مناطق المغرب قبل ست سنوات، مع فارق واحد وكبير، وهو أن الحراك الحالي يرفع أعلاما أمازيغية، ويتحدّث بلغة أمازيغية، هي لغة أهل منطقة الريف التي ترجمت شعارات "الربيع العربي" إلى لغتها المحلية، وأنتجت شعاراتها الأصيلة الخاصة بها.
وعلى الرغم من كل محاولات السلطة الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي زمن "الربيع العربي"، الذي جعل بعضهم يتحدّث عن "الاستثناء المغربي" في التعاطي مع ذلك الربيع، إلا أنه، وبعد مرور ستة أعوام، مازالت الشعارات نفسها تجد لها صدىً في الشارع، ولدى الفئات الأكثر فقرا وتهميشا، بعدما طال انتظارها ثمار التغيير الذي وعدت به السلطة.

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,887,اخبار العرب,932,اخبار المغرب,2188,إعلام,265,اقتصاد,386,المراة,69,تدوين,505,تغريدات,22,تغريدة,4,تقارير,649,حرية,243,حوارات,35,رياضة,193,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,249,صحافة,18,صحة,187,صوت و صورة,690,علوم و تكنولوجيا,226,عناوين الصحف,163,فنون,172,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1133,مجتمع,452,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,378,ملفات,41,منوعات,377,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : عن حراك الريف المغربي - علي أنوزلا*
عن حراك الريف المغربي - علي أنوزلا*
https://1.bp.blogspot.com/-YqTl9T03h-E/WRwAtJWnucI/AAAAAAAAnfs/klfoWKRT_8ozCZBAQXR2AjnPUTo9Bu5MACLcB/s640/Ali-Anouzla-800x478.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-YqTl9T03h-E/WRwAtJWnucI/AAAAAAAAnfs/klfoWKRT_8ozCZBAQXR2AjnPUTo9Bu5MACLcB/s72-c/Ali-Anouzla-800x478.jpg
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2017/05/blog-post_23.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2017/05/blog-post_23.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy