اليسار والربيع العربي (1): الممانعة والمقاومة والإمبريالية

“لم يعد في وسع أحد أن يدَّعي اللا فهم أمام سريالية سياسية تنتج موتًا واضحًا. المشهد واضح. القتلة واضحون. حلفاء القتلة واضحون. وأصدقاء حل...

“لم يعد في وسع أحد أن يدَّعي اللا فهم أمام سريالية سياسية تنتج موتًا واضحًا. المشهد واضح. القتلة واضحون. حلفاء القتلة واضحون. وأصدقاء حلفاء القتلة واضحون أيضًا، لمن يريد أن يرى”.

مقدمة
6 سنوات تمر من عمر ثورات الربيع العربي المهزوم، والذي تحول لخريف تساقطت فيه الكثير من الأحلام وكذلك الأوهام، فلم يكن في حسبان الثوار في ميدان التحرير بأن ديكتاتور آخر سيحكم بعد المخلوع، بل سفاح سيأتي على ظهر دبابة.

ولم يكن يتخيل الثوار في الحبيب بورقيبة وسيدي بوزيد بعد هروب بن علي بأن المستقبل يحمل لهم ثورة مضادة ستنتصر، لكن هذه المرة لم تكن في حاجة للدبابة فالانتصار يمكن أن يكون ناعمًا وسلسًا بلا مجازر ودماء. ولم يكن يتخيل الثوار في حمص ودرعا بأن تظاهراتهم السلمية ستُقابل بالرصاص الحي والمدفعية الثقيلة والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية لتتحول الثورة السورية ميدانًا لحرب إمبريالية يقودها الأمريكان والروس والتنظيمات الرجعية بأموال أمراء الخليج ليدفع فاتورتها الشعب السوري بالملايين من الشهداء والجرحى والمهجرين.

نعم الكثير منا لم يكن في حسبانه أن يحدث ما حدث، بل كانت الآمال والتوقعات أكبر بكثير من حدود الربيع العربي، وأن شرارة الثورة التي اشتعلت في البلدان العربية وامتدت لبلدان أوروبا والعالم على إثر الأزمة الاقتصادية وتوابعها منذ عام 2008 حيث رأينا شعوب العالم تنتفض من اليونان وإسبانيا إلى وول ستريت بأمريكا وميدان تقسيم بتركيا. فبعد نشوة رافقت حلم انتصار الثورات انكسر الحلم وساد الوجوم في الميادين.

في سلسلة المقالات هذه سنتناول بالتحليل إشكاليات وأطروحات الجدل التي طرحها اليسار، وبالتالي مواقفه التي رافقت سيرورة الثورات خلال السنوات الماضية، وتلمس الأسباب التي فرضت العجز عن تحقيق التغيير الذي تحلم الشعوب بها، كذلك ردود الأفعال التي واجهت الثورات بداية بالطبقات الحاكمة والدول الإقليمية والدول الإمبريالية وتحالفاتها والداعمين لها من تنظيمات حزبية وحركية كان لها دور في إجهاض الثورات وتدميرها وإطفاء نيرانها كي لا تتوسع وتنتشر لما تمثله من خطر على هذه الدول ومصالحها.

الثورة السورية ويسار الممانعة
إفقار وقمع سياسي واجتماعي.. هذا ما كان يعيشه المجتمع السوري قبل الثورة. فعلى المستوى الاقتصادي لم تكن سوريا في معزل عن العالم الذي عاش ويعيش أزمة اقتصادية حادة جراء اللبرلة الاقتصادية التي بدأت في سوريا في بداية الألفية الجديدة حيث طبًق النظام السوري سياسات اقتصاد السوق الحر التي أدت إلى ارتفاع الأسعار وزيادة نسب الفقر والبطالة، لتصبح الكتلة الأساسية من الشعب مهمشة ومفقرة، كما تمركزت الثروة في قلة محيطة بالسلطة وباتت أقلية محدودة تعيش حياة البذخ.

اجتماعيًا، عانى الشعب السوري من القبضة الأمنية والقمع الذي كرسه النظام طيلة عقود من الزمن، على سبيل المثال لا الحصر ارتكب النظام أفظع المجازر بالثمانينات بقتل ما يزيد عن 20 ألف شخص بمظاهرات حماة، وعلى إثر هذا الإجرام الدموي غابت الطبقة العاملة السورية عن المشهد بلا خوض احتجاجات أو إضرابات حالت دون التمرس النضالي والقدرة على التنظيم في مواجهة سيطرة النظام على النقابات العمالية، وبالتالي لم يكن لدى الطبقة العاملة من القوة والقدرة لتهدد النظام ومصالحه كذلك المشهد السياسي الذي سيطر عليه الأسد وحزبه البعث لتنفجر الثورة على النظام بشكل عفوي.

هذا ما كانت تعيشه سوريا الأسد قبل الثورة، وهذا ما رفضه يسار الممانعة ليقف ويدعم هذا الديكتاتور المجرم والذي صار أكثر إجرامًا بعد الثورة ليحافظ على نظامه. وبالطبع لا ولم يرى اليسار هذا الواقع الذى كانت تعشه سوريا قبل الثورة لانه غارق تماما في”مستنقع الستالينية العفن” تمحور الخطاب اليساري برفضه ثورات الربيع العربي في إطار المؤامرة الصهيوأمريكية، واعتبار، بالنظر للمسألة السورية، أن نظام الأسد هو نظام علماني تقدمى يحارب الإرهاب الإسلامي ومناهض للإمبريالية الأمريكية على خلفية ما أُثير عنه كـ “داعم للمقاومة”. في المقابل بدا الدب الروسي أيضًا كمناهض للإمبريالية الأمريكية، وبالتأكيد ليس هناك مَن يرفض، في مستنقع الستالينية العفن، دعم نظام بهذا الشكل بل سيدعمه بكل قوة، كيف لا وهو نظام “كامل الأوصاف التقدمية”، لكن هل حقا هذه الادعاءات والحجج صحيحة؟

لنبدأ أولًا:هل روسيا دولة مناهضة للإمبريالية وداعمة لمحور الممانعة، وبالتالي على اليسار دعمها والتحالف معها أم إنها دولة إمبريالية تعمل لمصالحها الخاصة؟ وهل على اليسار أن يدعم النظام في حربه ضد دولة أخرى؟

خلال الخمس سنوات الماضية، بدا اليسار الممانع تحت تأثير الصراع التاريخي بين الإمبريالية الأمريكية والاتحاد السوفيتي سابقًا، وما يزال إدراكه قاصرأً لتعدد مراكز الإمبريالية المتوحشة وتنقلها بين الشرق والغرب. بمعنى آخر، لم ينتقل التحليل اليساري عما كان في القرن الماضي رغم أن الاتحاد السوفيتي لم يكن سوى وجهًا آخر للرأسمالية. وفي صدد الصراع التاريخي للإمبرياليات لنرجع بالتاريخ 100 عام أثناء الحرب العالمية الأولى، وموقف لينين والبلاشفة منها، حيث رأى إنها ليست سوى حرب إمبريالية قامت من أجل إعادة توزيع مناطق النفوذ بين الدول الاستعمارية (مثلما تفعل روسيا وأمريكا الآن)، فلم يدعم ألمانيا التي كانت رأسمالية ناهضة تريد أن يكون لها مستعمرات ومركز عالمي بحجة أنها دولة مناهضة ضد إنجلترا وفرنسا الاستعماريتين، ولم يقف أيضا بجانب البرجوازية الروسية بحجة الوطنية والدفاع عن الوطن، بل تبنى موقفًا واضحًا وثوريًا يرى ويركز على الهدف الأساسي من الحرب، وليس على التمايز بين الرأسماليات. حيث، بغض النظر عن الفارق بين الرأسماليات، المهيمنة أو الصاعدة، اعتبر أن الحرب إمبريالية، تهدف إلى السيطرة على العالم، وبالتالي، لا فرق هنا بين رأسمالية وأخرى، وأن العمال والاشتراكيين واجبهم “ليس الدفاع عن أوطانهم وإنما تحويل الحرب إلى حرب أهلية” على النظام.

دعم المقاومة وتحرير فلسطين
تقف الجبهة الشعبية بجبهتيها (الأم والقيادة العامة)، كذلك الأحزاب الشيوعية الستالينية بجانب النظام السوري، كما ذكرنا سابقا، بحجة أنه داعم للمقاومة، وأن ثورات الربيع العربي مؤامرة صهيوأمريكية في مقاربة لا تقل عن الخطاب النظم المستبدة في الترويج ضد المطالب الشعبية. فالجبهة الشعبية عبرت عن موقف بالغ العداء للربيع العربي في بيانات وتصريحات على لسان قادتها، على سبيل المثال لا الحصر، بأن الربيع العربي هو امتداد لنكبة عام 48 وبأن “الحكومة الإسرائيلية وراء اندلاع الربيع العربي لتحقيق المصالح الإسرائيلية”.

أما في سوريا، فقد تعرضت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين لحصار قاتل وحملات قمعية شرسة بعد دعمهم للثورة منذ اليوم الأول. اتخذت الجبهة الشعبية – القيادة العامة هنا دورًا أكثر خزيًا حيث شاركت بسلاحها بشكل مباشر في حصار المدنيين بالمخيمات، وعملوا على وأد أيّ بوادر للثورة من المخيمات، لكن ذلك لم يمنع اللاجئين الفلسطينيين من المشاركة في الثورة ونظموا مظاهرة بالمخيم هتفوا فيها “يا جبريل دمك مهدور” لدوره في الدفاع عن السفاح الأسد وعائلته التي لها تاريخ طويل في قمع الشعب الفلسطيني، وهو ما تتناساه فصائل “المقاومة” في مساعدة النظام السوري للميليشيات في لبنان لسحق اللاجئين وحصارهم في تل الزعتر، والمجازر التي ارتكبتها حركة أمل بدعم من النظام السوري في لبنان خلال الثمانينيات ضد اللاجئين الفلسطينيين وضد منظمة التحرير الفلسطينية.

تحرير فلسطين يبدأ بإسقاط الأنظمة العربية
ليس هناك رد أبلغ على هذا الموقف العدائي أكثر مما حدث في الثورات العربية، وبالأخص الثورة المصرية وثوارها والتي كانت فلسطين بالنسبة لهم بوصلة نضالية. الثورة المصرية أفرزت ثوار اقتحموا سفارة العدو الصهيوني بالقاهرة مرتين ومليونيات التضامن والدعم للشعب الفلسطيني للتنديد بجرائم العدو ومظاهرات رفع حصار النظام المصري – الإسرائيلي على قطاع غزة. كذلك التنديد بتصدير الغاز المصري لإسرائيل وإلغاء اتفاقية كامب ديفيد. لقد كان وعي الثورة دائمًا الدور الإمبريالي لأمريكا وكون إسرائيل هي كلب حراسة للإمبريالية في المنطقة، ثم جاءت الثورة المضادة بقيادة السيسي ليمحو ويعكس كل ما له علاقة بالثورة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ليبدأ مرحلة “السلام الدافئ” مع الصهاينة، وفقا لتصريحاته.

فصائل اليسار العربي تزيف العداء للإمبريالية على حساب الترويج لسفاح سوريا. و”فصائل المقاومة الفلسطينية اليسارية” انزلقت في فخ حصارها للاجئين الفلسطينيين أنفسهم بسوريا. إن تحرير فلسطين لن يأتي بدعم نظام ديكتاتوري واستعباد شعب آخر، بل إن هذا الدعم في صالح استقرار الدولة الصهيونية في المنطقة. تحرير فلسطين سيتحقق بإسقاط هذه الأنظمة الديكتاتورية، وأولها الأسد في سوريا، حتى وإن رفعت شعارات زائفة عن دعمها للمقاومة.

المصدر: الاشتراكي

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,853,اخبار العرب,898,اخبار المغرب,2081,إعلام,265,اقتصاد,375,المراة,67,تدوين,496,تغريدات,22,تغريدة,4,تقارير,622,حرية,222,حوارات,35,رياضة,184,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,225,صحافة,17,صحة,185,صوت و صورة,680,علوم و تكنولوجيا,224,عناوين الصحف,137,فنون,170,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1103,مجتمع,424,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,366,ملفات,25,منوعات,372,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : اليسار والربيع العربي (1): الممانعة والمقاومة والإمبريالية
اليسار والربيع العربي (1): الممانعة والمقاومة والإمبريالية
https://1.bp.blogspot.com/-TuPOArKJAd4/WIp8wNfJfXI/AAAAAAAAkr8/ipO6CcBiVVY3Gc5pR-6drk47m91N-5kHQCLcB/s640/%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B1%25D8%25A8%25D9%258A%25D8%25B9-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B9%25D8%25B1%25D8%25A8%25D9%258A-800x400.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-TuPOArKJAd4/WIp8wNfJfXI/AAAAAAAAkr8/ipO6CcBiVVY3Gc5pR-6drk47m91N-5kHQCLcB/s72-c/%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B1%25D8%25A8%25D9%258A%25D8%25B9-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B9%25D8%25B1%25D8%25A8%25D9%258A-800x400.jpg
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2017/01/1_26.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2017/01/1_26.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy