المغرب / إفريقيا : الإنعطافة الكبرى - عبد اللطيف العبوبي*

تمهيد : منذ أزيد من 10 سنوات، بدأت نظرة العالم إلى "إفريقيا" تتغير تدريجيا. في الأدبيات الجيوسياسية تكاد تختفي "كليشيها...

تمهيد :
منذ أزيد من 10 سنوات، بدأت نظرة العالم إلى "إفريقيا" تتغير تدريجيا. في الأدبيات الجيوسياسية تكاد تختفي "كليشيهات" : القارة المتخلفة، أو السائرة في طريق النمو، أرض الإستغلال و النهب... و حلت محلها صور "القارة الصاعدة"، "الواعدة"، "الجذابة". بل تحولت إلى ساحة تنافس حاد للقوى الدولية التقليدية والمنبثقة حديثا... و يمكن القول أن كل قوة اقتصادية تتسابق اليوم لعقد قمة أو منتدى إفريقي خاص بها، مثل "التيكاد" الياباني، أو "الفوكاك" الصيني، أو "الكاوفيك" الكوري-الجنوبي، أو "الإيافس" الهندي، ناهيك عن "تجمعات" القوى الكولونيالية المعروفة....
ويعزى هذا التحول إلى الديناميكية التي انخرطت فيها القارة السمراء منذ مطلع الألفية الثالثة، ففي 2015 وصلت نسبة النمو فيها إلى 5,2 % (ضعف ما حققته الولايات المتحدة الأمريكية)، حسب "البنك الإفريقي للتنمية". و في 2014 استقبلت 54 مليار دولار من الإستثمارات الخارجية المباشرة (نصفها صيني). و يساهم تدفق هذه الأموال في تنويع مصادر النمو بها، بحيث لم تعد يرتكز على القطاع المنجمي و النفطي فقط، بل على نسيج صناعي و خدماتي فعال تحفزه طبقة متوسطة شابة جد نشيطة. 
هذا النمو الإفريقي الشامل تقوده بعض الدول المتميز اقتصادها بالحيوية و الأداء الجيد.  مثل "اثيوبيا" التي بلغت نسبة النمو بها 9,7 % سنة 2013 (8,5 % خلال 2016-2015) و هي الآن في طور تبوء الصدارة جهويا في مجال إنتاج الكهرباء، بفضل الإستثمارات في الطاقات المتجددة.  كما أن اقتصادها يستفيد من ترحيل هائل للصناعات و الخدمات. أو "غانا" حيث فاقت نسبة النمو 13 % في 2011 (7,3 % في 2013 ). و ساعد اكتشاف حقول النفط و مناجم الذهب، بالإضافة إلى "الكاكاو"، في تقوية قدراتها التصديرية. في شمال القارة، يطمح "المغرب" إلى أن يصبح قوة جهوية، و غالبا ما يقدم كنموذج ناجح للنمو. منذ توليه حكم البلاد (صيف 1999) قام الملك "محمد السادس" بجولات ديبلوماسية عديدة و طويلة إلى إفريقيا جنوب الصحراء (آخرها في شرق القارة، خريف 2016) وقع خلالها الكثير من اتفاقيات الشراكة الثنائية المعززة لتموقع بلده القاري. و بخلاف "الجزائر" (الغنية بالنفط و الغاز)، يحظى المغرب بصورة البلد المستقر، السائر بيقين في طريق التحديث و الدمقرطة. و تساهم علاقاته القوية "بأوربا" في جعله بلدا جذابا...
في هذا المقال سأحاول شرح غايات و أشكال السباق المحموم نحو "إفريقيا"، لاسيما من طرف القوى العالمية الصاعدة، و بطريقة غير مباشرة التموقع المغربي/الإفريقي، مبرزا فيه عناصر القطيعة و الإستمرارية، و ذلك ضمن سلسة طويلة من العلاقات (روحية، سياسية، اقتصادية)، الضاربة جذورها في عمق التاريخ. 

الصين :
تعتبر العلاقات "الصينية-الإفريقية" محْرارا للأمل المعقود تحقيقه من العودة إلى القارة السمراء. فقد أصبحت "الصين" أول مستثمر فيها، إذ بلغ حجم استثمارتها ضعف نظيراتها الأمريكية. و في قمة "منتدى التعاون الصيني ــ الإفريقي" ("جوهانسبيرغ"، ديسمبر 2015 ) قررت الصين منح 60 مليار دولار من المساعدات المالية، منها 5 مليارات من القروض بدون فائدة، و 35 مليار من القروض بفوائد تفضيلية، و قرض خاص لتمويل المقاولات المتوسطة الإفريقية. همت، كلها، 10 مشاريع، تشمل جميع المجالات، من الفلاحة حتى الأمن، و هي تفوق 4 مرات ما تم الإعلان عنه في المؤتمر السابق ( 2012 ). و خلال 15 سنة الأخيرة، تضاعفت المبادلات بين "الصين" و "إفريقيا" 30 مرة، أي أنها تضاعفت سنة بعد أخرى. لكن من أجل أ ية سياسة ؟ تشاركية أم استغلالية ؟ ثم إذا كانت الأرباح الإقتصادية سهلة الفهم بالأرقام، فماذا عن الأرباح الديبلوماسية ؟
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، يجب العودة قليلا إلى التاريخ. فعلاقة "الصين" بإفريقيا قديمة و يمكن تقسيمها إلى 3 مراحل:
-مرحلة سيادة الإيديولوجيا : مع دعم حركات التحرر الوطنية الإفريقية ( من ال 50 إلى حدود ال 70 ). و تعتبر "مصر" أول الدول الإفريقية المعترفة "بالصين" (1956). و بفضل أصوات "إفريقيا"، حازت "الصين" على مقعد العضو الدائم بمجلس الأمن الدولي (1971). 
- مرحلة الانسحاب الصيني من إفريقيا (من "ال 70" إلى "ال 90") : مع استدعاء السفراء الصينيين بعد "الثورة الثقافية" (1966) ، و ما تلاه من إصلاحات "دانج"، ابتداء من 1978...
-مرحلة العودة الى إفريقيا : مع نهاية "ال 80 "، اذ ستشهد "الصين" سلسلة من الإصلاحات الجذرية، حيث سيتم وضع شراكات استراتيجية مع "إفريقيا" وغيرها من المناطق الأسيوية. هكذا، في بداية "ال 90 "، ستُنشأ "اكزيم بانك" ( 1994) و "بنك الصين للتنمية" و غيرهما من الأذوات الإستثمارية المالية والسياسية، مما سيؤذي إلى قلب " باراديغم" سياسياتها الخارجية  رأسا على عقب، في مطلع "ال 2000"، مع أول "فوكاك" (أكتوبر 2000 ).... 
اليوم، تحاول "الصين" الإستفادة من إرث "المرحلة الإيديولوجية" حيث كانت "إفريقيا" بمثابة القوة الحليفة لها، لا سيما مع إعادة تشكل النظام الجيوسياسي الدولي (بعد نهاية الحرب الباردة) و بروز فاعلين أفارقة جدد ينظرون إلى آفاق أخرى، غير التبعية لكل من "موسكو" و "واشنطون"، و يحاولون تجريب نماذج مغايرة. .بالإضافة إلى تحول مكانة "إفريقيا" في العلاقات الدولية إلى "المصاف الاستراتيجي"، (في "مجلس الأمن" التابع لهيئة "الأمم المتحدة")... 
ورغم كون مشكل "إفريقيا" كان دوما في مدى قابلية النموذج الصيني للتطبيق (الاشتراكية بخصوصية صينية)، إلا أن ذلك لم يمنع "الصين" من تكثيف تحركها في القارة السمراء خاصة في الشق المالي. و يمكن التمييز فيه بين "الدعم الموجه للتنمية" و الإستثمارات المباشرة بهدف التجارة. مثلا، ال 60 مليارا الممنوحة (المذكورة أعلاه) هي في غالبيتها قروض شرائية. و يوجد في قلب هذه الإستراتيجية المالية/التجارية "اكزيم بانك". فما يهم الحكومة الصينية هو إيجاد منافذ تسويقية لمنتوجاتها المصنعة و تصريف الفائض منها...
و تبقى العلاقات الصينية/الإفريقية غير متوازنة، و ضعيفة قياسا بما تستثمره في مناطق أخرى من العالم. و تنحصر في مجموعة واحدة من المنتوجات المعدنية ("منغنيز"، "حديد"، "نحاس"، "خشب"، أو "نفط"، إلخ.) مقابل بيع المنتوجات المصنعة، مما يجعل بعض الدول الإفريقية في وضع التبعية و الهشاشة، و بالتالي عدم القدرة على تحديد التدابير و فرض الشروط لصالح تنميتها الخاصة بها. فهي تبحث عن التمويلات التي تجدها لدى "الصين"، و الأخيرة تحقق مصالح استراتيجية تكمن في تأمين بعض المواد الأولية التي تحتاجها، و ليس لخلق نمو إقتصادي إفريقي حقيقي داخلي و شامل. إنها علاقة تظل إذن داخلة في إطار النموذج "النيوليبرالي" التقليدي.
 هناك دول إفريقية صاعدة تتبنى سياسية إستباقية لجلب الإستثمارات، مثل "الكوت ديفوار" (ساحل العاج) التي ترجع علاقاتها مع "الصين" إلى "ال 60 " من القرن الماضي (فترة "هوفيت بواني" ). في ديسمبر 2013 وقعت الدولتان معاهدة للتعاون تروم تطوير و تكثيف و تسريع التجارة بينهما. و تمثل الإستثمارات المباشرة الصينية في هذا البلد 28 % . كما تتواجد به أكثر من 30 شركة صينية ذات الرأسمال العمومي، و قرابة 100 شركة أنشأها، محليا، المهاجرون الصينيون (بقانون "إيفواري"). مما يمنح "ساحل العاج" موقعا خاصا، يتميز بحدة المبادلات التجارية، لدرجة صارت واجهة "للصين" في إفريقيا الغربية "الفرنكوفونية". و تلعب "نيجيريا" (و جزئيا "غانا") نفس الدور فيما يخص الجزء "الأنجلوفوني" من إفريقيا. لهذا تسعى "الصين" دوما إلى المحافظة على علاقاتها مع حكومات "ساح العاج" المختلفة ("باكبو"، "واتارا"). وتوضح البنيات التحتية الهائلة المشيدة من طرف "الصين" (سدود ضخمة، طرق سيارة، مركبات رياضية، إلخ) اهتمامها الكبير بهذا البلد...
لكنها لا تبحث عن شراكات فحسب (فهي الشريك التجاري الثالث)، بل تحاول التقرب من بعض "التمثيليات الديبلوماسية" بجعل "ساحل العاج" مركزا "ديبلوماسيا" لها. و هي بصدد إسقاط حاجز اللغة عن طريق إقامة معاهد "كونفوشيوس" لتقريب "الصين"، ثقافيا، من البلدان الإفريقية (30 معهدا). و تمثل "سال العاج" بالنسبة لها منارة للإشعاع في كامل "إفريقيا الفرنكوفونية". تكشف العلاقة مع "ساحل العاج" منهجية "الصين" في التحرك : التموقع بغية تمويل برامج و مشاريع عابرة للبلدان و للجهات. من هنا اهتمامها بالمجموعات الإقتصادية الجهوية الكبرى (شرق/غرب/وسط/ شمال إفريقيا...) و البحث فيها عن بعض الأقطاب.. فحضورها اللافت في "نيجيريا" (إفريقيا الأنجلوفونية) يمكنها من اللعب على المنافسة مع غرب "إفريقيا الفرنكوفونية" ("ساحل العاج"). و نفس الطريقة تتبعها في "جيبوتي" ("شرق إفريقيا"). كما أنها تبسط سيطرتها على السوق الإفريقية معتمدة على دعم جاليتها المهاجرة المستقرة في القارة منذ مدة طويلة...
 يجب التمييز، في العلاقات الصينية/الإفريقية، بين الطموحات الاقتصادية و الرهانات السياسية. لإبقاء التوازن بينهما، تتبنى "الصين" سياسة "التطوير في إطار الاستمرارية" : مما يمكنها من تتجنب الأخطاء، و تصحيح مواقفها الملتبسة في "مجلس الأمن" ("بيافرا"، و دعم "اليونيتا"، و "الانبيا"، "السودان"، "تشاد"...). مثلا، بسبب تذبذبها خلال الأزمة الليبية (2011 )، فقدت "الصين" كل استثمارتها الضخمة في هذا البلد. حينها فهمت أن ثمة قوى ("فرنسا"، "انجلترا"، "امريكا"...) أفضل معرفة و تجذرا منها في الميدان و أنه من الصعب عليها فرض سياساتها. و أن مؤسسات الدول الاستعمارية القديمة المنتشرة في ربوع القارة، ما تزال قوية التأثير (مثل "المعاهد الفرنسية"...)...
سياسة "التطوير" في ظل الاستمرارية هذه تظل ثابتة لدى "الصين". فالفرق واضح بين "المبادئ الخمسة للتعايش السلمي" التي سنها "هو جينتاو" (2003) و"الحلم الصيني" الذي بشر به " شي جينبينغ" (2012). حكومة "هو جينتاو" تفاعلية و أما حكومة " "شي" فاستباقية. من بين مؤشرات "التطوير"، اليوم، توظيف استثماراتها ذات الرأس المال العمومي باستراتيجيات خاصة... لكن ثمة كوابح ما تزال تحد من سياساتها، و منها تمثل بعض الأفارقة الذهني "للصين" المبني على "القطيعة" (كتوجه "اتيوبيا")، بحيث ينتظرون منها تبني مواقف مغايرة للقوى الغربية (أزمة "ليبيا"، مثلا). كما أن "النموذج الصيني" يبقى عرضة للانتقاد من طرف الرأي العام الدولي (دعم نظام "موغابي"، "موبوتو"، حركة "بيافرا"، إلخ )، مما يحول دون التقريب بينها و بعض دول إفريقيا... و علاقاتها مع "جنوب-افريقيا"، ليست دوما على ما يرام (تصريحات "زوما" حول النسيج الصيني)، رغم كون الأخيرة تستحود على ربع استثمارات "الصين" في إفريقيا...
فما هي الأرباح الديلوماسية التي جنتها "الصين" من علاقتها "بإفريقيا" خلال ال 20 سنة الماضية ؟ يمكن القول أنها عززت هيبتها الدولية و هي اليوم أكثر قوة في المجال الإقتصادي. على المستوى السياسي تبدو تحركاتها متعددة الأشكال  و متذبذبة. و يبقى من الصعب تلخيص العلاقات الصينية/الإفريقية، لأننا أيضا أمام مجموعة من الدول المتعددة، لها حساباتها السياسية الخاصة. و بالتالي "فالصين" تراقب بحذر شديد الخريطة الجيوسياسية الداخلية للقارة الإفريقية، المعقدة و المتحركة.

 الهند : 
 خلال ال 15 سنة الأخيرة، انتقلت المبادلات بين "إفريقيا" و "الهند" من 3 الى 75 مليار دولار. و تعود أول قمة افريقية/هندية الى 2008. و في آخر قمة لهما (اكتوبر 2015 ) أعلنت "الهند" عن منح 10 مليار دولار من القروض على مدى 5 سنوات، أي ضعف ما منحته في قمة "أديس أبابا" ( 2011 )، و كذلك 500 مليون دولار كمساعدات و 50 ألف منحة دراسية للطلبة الأفارقة، إلخ. و تستورد "الهند" جزء هاما (15 % ) من حاجياتها من البترول من "إفريقيا"، لا سيما من "نيجيريا". كما انها تستثمر بكثافة في مجال“الهيدروكربونات”، مثلا في "الصومال" و "الموزنبيق"، حيث ثم اكتشاف احتياطات هائلة من الغاز و النفط. ويعتبر التعاون بين "الكونغو" و "الهند" الأكثر نشاطا، إذ تقوم ببناء السدود الكبرى و هي بنيات عملاقة و تستقبل 4600 طالب  "كونغولي" في معاهدها... 
خلافا "للصين"، ليس "للهند" "عقيدة تدخلية"، بحكم اختلاف نظامها السياسي (ديموقراطية). و غالبا ما تتحرك لمواكبة الإستثمارات الخاصة. أي أن سياساتها العمومية موجهة لخدمة الخواص. و أما علاقاتها السياسية مع "إفريقيا" فتعود إلى فترة الكفاح الوطني من أجل استقلال العالم الثالث ("نهرو")، إذ كانت حركات التحرر الهندية-الإفريقية جد متضامنة. و ما تزال الهند (بتنسيق لافت مع "البنغلاديش" و "الباكستان")  ترسل فرقا عسكرية أممية لحفظ السلم في "إفريقيا". والتواجد الهندي في "افريقيا" حاضر و إن كان غير بارز، فالجزء الشرقي من "إفريقيا" يضم جالية هندية مهمة، تلعب دور الحاضنة لاستثمارات بلدها الأصلي في المنطقة 

اليابان : 
تكاد "اليابان" تشبه "الصين" في علاقاتها "بإفريقيا". فهي تابعة لها من حيث المعادن و الموارد الطاقية ( بترول و غاز الطبيعي و خشب، الخ). كما ان التعاون بينهما قديم، يعود الى 24 سنة خلت. يتجلى اهتمام "اليابان" بإفريقيا في انتظام انعقاد قمم التعاون الثنائية ("تيكاد")، إذ إلتأمت الأولى في "طوكيو" عام 1993، والأخيرة في "كينيا" (غشت 2016 )- لكن مقارنة "بالصين"، تبدو "اليابان" متأخرة فيما يخص الإستثمارات. ففي 2009، كانت "الصين" الشريك الأول لإفريقيا ب 13.5 % من حجم مبادلاتها الخارجية، بينما لا تتعدى 2.7 % بالنسبة "لليابان". و وفق أرقام " منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"(2011), تقل استثماراتها 7 مرات عن نظيراتها الصينية، مع ضعف دائم في توطين شركاتها (بسبب جبن الرأسمال الياباني). في 2015 و من إجمالي مبادلات "اليابان"، تمثل صادراتها نحو "إفريقيا" 1,9 % منها و وارداتها 2,3 %. و لحدود الآن، تظل علاقات "اليابان" بإفريقيا  منحصرة في المساعدات الإنمائية العمومية (بطلة العالم فيها)، بخلاف "الصين" التي مرت منذ البداية إلى الإستثمارات المباشرة. و حسب تقرير لمكتب "لينكليترز" ( 2015)، بلغ مجموع المساعدات العمومية الاتية من آسيا 4.2 مليار دولار، منها 3,5 مليار دولار وفرتها "اليابان"( 3 أضعاف ما تقدمه الصين"). و الفرق بين الدولتين في مجال التعاون الإفريقي يتمثل في استهداف "اليابان" بعض البلدان ذات التأثير الإقتصادي/السياسي القوي، جهويا (مثل "نيجيريا"، "كينيا"، "غانا"، "مصر" و "السينغال"...)، لأنها تبحث عن مقعد دائم في "مجلس الأمن" عبر الأصوات المطالبة بإصلاح "هيئة الامم"، و غالبيتها من "إفريقيا"...
 و منذ 1989 بدأت "اليابان" في تنويع وجهاتها، و إيلاء أهمية كبيرة لإفريقيا الغربية "الفرنكوفونية"... و مؤخرا في تغيير سياستها الإفريقية : تخفيض المساعدات العمومية الإنمائية، و خلق إعانات مالية مخصصة للشركات المتوجهة لإفريقيا. في 2014 بلغت استثمارات "اليابان" المباشرة في "إفريقيا" قرابة 1.5 مليار دولار (تستحود "جنوب افريقيا"  و "مصر" على 85 % منها) من بين 120 مليارا تقريبا في باقي العالم ( أي بنسبة 1,2 %). و خلال جولته القارية (يناير 2014، شملت "ساحل العاج"، "اتيوبيا"، "الموزنبيق" ) تعهد رئيس وزراء "اليابان" ("شينزو آبي") بتخصيص أكثر من 14 مليارا دولارا "لإفريقيا" كمساعدات و صفقات تجارية....و من بين أهم القطاعات التي تسثمر فيها اليابان: المعادن، السيارات، النفط و البنيات التحتية 

روسيا :
ما يطبع العلاقات الروسية/الإفريقية، عموما، هو ضعف الحضور و انحصارها أساسا في الميدان المنجمي و الأمني (بيع الأسلحة). فبعد 20 سنة على انهيار "الإتحاد السوفياتي"، و تجميد اتفاقيات التعاون الدولي، عادت "موسكو" للإهتمام بالقارة السوداء. و عقب جولة "ميدفيديف" الإفريقية ("مصر"، "ناميبيا"، "انغولا") عام 2009، و هي بمثابة انطلاق تلك العودة، ثم الإعلان عن إلغاء 20 مليار دولار (من بين 25 مليار دولار) من ديون "إفريقيا" اتجاه "الإتحاد السوفياتي" سالفا ( سبقتها، في نفس الإطار، زيارة "بوتين" لكل من "المغرب" و "ج-إ"، عام 2006 ). بيد أنها عودة تريدها "روسيا " مختلفة عما كان سائدا زمن "الحرب الباردة". أي ليس كقوة عظمى حامية جوسياسيا لبعض الأنظمة، بل بصفتها مستثمرة حلت متأخرة مقارنة "بالصين" و "الهند"، مثلا. في 2013 قفز حجم التبادل الروسي/ الإفريقي إلى 5 مليار دولار (مقابل 200 مليارا دولار "للصين" ). الجديد، أيضا، في العودة  الروسية : محاولة ربط علاقات مع بلدان إفريقيا الغربية، دائما و أساسا، من المدخل المنجمي و الأمني. و قد أصبحت المجموعات المنجمية و الطاقية الكبرى الروسية حاضرة في الواجهة الأطلسية لإفريقيا. في "غينيا"، مثلا، تستغل أكبر منجم" للبوكسيت" في العالم، كما تجذبها الثروات المنجمية الهائلة (الذهب، النفط، إلخ) في كل من" بوركينا فاسو" و "مالي" و "ساحل العاج" و"غانا"، إلخ. و تسعى إلى تطوير علاقاتها مع شركاءها الأساسيين في "شمال إفريقيا" ("مصر"، "المغرب"...) و "إفريقيا الساحلية" (منتدى الأعمال الروسي-الافريقي :  "أديس أبابا" - 2011 ) و "إفريقيا الوسطى". في 2014 ، أبرمت مع "زيمبابوي" اتفاقيات قدرت ب 4 مليار دولار، تضم استغلال أكبر منجم" للبلاتين" على وجه الأرض. و اتفاقيات مع "الموزنبيق" و" أنغولا" لإستغلال حقول النفط و الغاز الطبيعي. و في "ناميبيا" تستغل منجما "لليورانيوم" و في "ج-إ" مناجم "المنغنيز"، الخ. لكن العلاقة الأمثن هي مع "ج-إ- في 2013 وقعت معها سلسلة من الإتفاقيات في مجال في الطاقة و الموارد المعدنية. و في 2014 أعلنت "روزاتوم" اتفاقا استراتيجيا طويل الأمد يروم إنشاء 8 مفاعلات نووية في "ج-إ" حتى 2030 ، بمبلغ 10 مليار دولار. 
ويعتبر القطاع النووي الروسي الأكثر نشاطا في التصدير، و هو رأس الحربة في تعاونها الديبلوماسي و الأمني. نلاحظه ذلك مع "مصر" حيث قررت "روسيا" بناء أول محطة نووية و أبرمت معها عدة اتفاقيات. و تعتمد على مدرستها الديبلوماسية العربية الشهيرة (إرث "الإتحاد السوفياتي") لجعل "مصر" بابا (مفتاحا) للعودة إلى "إفريقيا" (بخلاف "اوربا"، لا تفرق"موسكو" بين المنطقة العربية و منطقة "الساحل الإفريقي"). غير أن التواجد العسكري الروسي في "افريقيا" يبقى ضعيفا ( مقارنة مع "الصين" : 3000 جندي منتشر في "إفريقيا" لحفظ السلم). 
 كما تحاول "روسيا" تنويع مخاطبيها ("إفريقيا الفرنكوفونية") و إحياء مواقعها في "افريقيا" كتاجرة سلاح ( تتعاون مع 15 دولة في هذا المجال) لكن "القارة السوداء" لا تمثل سوى 2 % من مجموع صادراتها العسكرية، بينما تحتل المنطقة الرتبة 9 عالميا في مجال "الإنفاق" على التسليح. و خلال 2013-2014 وقعت 25 اتفاقية ب 1,7 مليار دولار ( دول "شمال افريقيا" من أهم زبائنها، خاصة "مصر"، و "الجزائر"). و في 2013 أمضت مع "انغولا" على اتفاقية ب 1 مليار دولار...
 ومن وجهة النظر الإفريقية تعتبر "روسيا" مدخلا لمكافحة الارهاب و انتشار الأسلحة. بل أضحت  في العشرية الثانية من حكم "بوتين" دولة قوية و مغرية، تعطي لنفسها حق الخروج عن الإجماع الدولي. مما يجعلها في منظار كثير من الدول الإفريقية بمثابة "ديبلوماسية اللجوء"، لمواجهة الضغط السياسي (الغربي) أو ثقل "الصين" الاقتصادي، لكن الشركات الروسية لا تجرؤ على المغامرة في"إفريقيا". على المستوى الجيوسياسي، لا تضع "روسيا" إفريقيا ضمن أسبقياتها (كما "الشرق الاوسط" و "بلدان الإتحاد السوفياتي" سابقا) و غالبا ما تظهر "موسكو" موقفا غير تدخلي، مكتفية  "بمصر" و "ج-إ" كجسور لها في "إفريقيا"

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,853,اخبار العرب,898,اخبار المغرب,2081,إعلام,265,اقتصاد,375,المراة,67,تدوين,496,تغريدات,22,تغريدة,4,تقارير,622,حرية,222,حوارات,35,رياضة,184,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,225,صحافة,17,صحة,185,صوت و صورة,680,علوم و تكنولوجيا,224,عناوين الصحف,137,فنون,170,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1103,مجتمع,424,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,366,ملفات,25,منوعات,372,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : المغرب / إفريقيا : الإنعطافة الكبرى - عبد اللطيف العبوبي*
المغرب / إفريقيا : الإنعطافة الكبرى - عبد اللطيف العبوبي*
https://1.bp.blogspot.com/-UQargYdOdI0/WDOUQQv1-0I/AAAAAAAAjlA/Bo8yfuKR9uMSa5JOYkG6A1OLuMxAwKfMACLcB/s640/Converted_file_10c3721e.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-UQargYdOdI0/WDOUQQv1-0I/AAAAAAAAjlA/Bo8yfuKR9uMSa5JOYkG6A1OLuMxAwKfMACLcB/s72-c/Converted_file_10c3721e.jpg
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2016/11/blog-post_695.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2016/11/blog-post_695.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy