المشكل ليس في المترشح الراشي؛ بل الناخب المرتشي... - محمد حنفي*

إننا غالبا ما نتوجه بلومنا إلى المترشح الذي يشتري ضمائر الناخبين، مع أن الأمر يفرض تفهما آخر، يقتضي منا أن لا نتوجه باللوم إلى الراشي ...

إننا غالبا ما نتوجه بلومنا إلى المترشح الذي يشتري ضمائر الناخبين، مع أن الأمر يفرض تفهما آخر، يقتضي منا أن لا نتوجه باللوم إلى الراشي الذي يقتني برشوته ضمائر الناخبين، الذين يصيرون، بعدما أخذوا الرشوة، بلا ضمائر. ومن لا ضمير له، لا يمكن اعتباره إنسانا، بأي حال من الأحوال، خاصة وأن فقدان الضمير، لا يعني إلا فقدان صفة الإنسانية، ليتحول الناخبون إلى مجرد مجموعة من الحيوانات، تباع، وتشترى، كما تباع، وتشترى الحيوانات الأليفة، في مختلف الأسواق، وخاصة إذا كان المجتمع البشري، مجتمعا (إنسانيا) ،كما يحلو لجميع أفراد المجتمع وصفه؛ خاصة، وأن الإنسانية، تقتضي حفظ كرامة الناس جميعا، الذين ينتمون إلى المجتمع الموصوف بالمجتمع الإنساني؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بالمجتمع البشري، الذي يشبه مجتمع الحمير، فإنه لا عيب عندهم أن يعرضوا في أسواق النخاسة، من أجل بيع أعز ما عندهم، ومصدر كرامتهم، الذي لا يمكن أن يكون إلا ضمائرهم.

والمشكل القائم عندنا هنا في المغرب، كما في جميع البلدان المتخلفة، التي تعاني غالبية سكانها من الفقر، والجوع، والمرض، والأمية، وانعدام الوعي بالأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، هو استعداد هؤلاء جميعا، إلى عرض أنفسهم في أسواق النخاسة، التي يتوجه إليها المترشحون، كلما كانت هناك انتخابات لشراء ضمائر الناخبين؛ لأن المترشحين لا يراهنون على إقناع الناس بتوجهاتهم السياسية / الحزبية، ولا ببرامجهم التي يجعلونها في خدمة الجماهير الشعبية الكادحة، بعد فوزهم في الانتخابات، بقدر ما يراهنون على ما تفرزه أسواق النخاسة، بعد فوزهم في انتخابات الفساد السياسي، القائم أصلا على:

1) وجود الأحزاب الإدارية، وحزب الدولة، التي أشرفت وزارة الداخلية، أو الدولة نفسها، على تشكيلها، وهيكلتها، على حساب أموال الشعب، من أجل أن تصير في خدمة المخزنة، وفي خدمة الدولة المخزنية، في نفس الوقت، خاصة، وأن الاختيارات الرأسمالية التبعية، وطبيعة الدولة المخزنية، محكومة بالهاجس الأمني، وتخاف أن تسيطر الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، والعمالية، على المؤسسات المنتخبة: المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية، التي تعمل على جعلها في خدمة المواطنين: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، مما يجعل المواطنين يضاعفون ثقتهم في الأحزاب، التي تنفرز من بين أفراد الشعب المغربي. ولذلك تلجأ الإدارة المخزنية، والدولة المخزنية، على إنشاء أحزابها، التي تزور الانتخابات لصالحها، حتى تنفذ ما تريده أجهزة إدارة الدولة، وما تريده الدولة نفسها، على مستوى الجماعات الترابية، وعلى مستوى الأقاليم، والجهات، وعلى المستوى الوطني، خاصة، وان المنخرطين في هذه الأحزاب، هم جماعة من الفاسدين، وناهبي ثروات الشعب المغربي، وأصحاب الامتيازات، وغيرهم، ممن لا يمكن اعتبارهم ساعين، وحريصين على خدمة مصالح الشعب المغربي.

2) غياب دستور ديمقراطي شعبي، يقر سيادة الشعب على نفسه، حتى يتمكن من تقرير مصيره الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وحتى يستطيع إيجاد مؤسسات تمثيلية حقيقية، من الشعب، وإلى الشعب، ولا وجود فيها لشيء اسمه التزوير، ولا الاتجار في الضمائر، وغيرها من الوسائل التي تجعل المؤسسات التمثيلية، تصير تحت رحمة الفاسدين، الذين يوظفونها لخدمة مصالحهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، على حساب الشعب المغربي، وعلى حساب كادحيه، وعلى حساب المواطنين الذين يعتبرون ناخبين. فالدستور الديمقراطي الشعبي، يحصن الشعب، الذي تصير له السيادة، ضد كل أشكال التزوير، وضد كل أشكال الفساد الإداري، والسياسي، وضد التلاعب بمستقبل الأجيال.

3) غياب الديمقراطية بمضامينها: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. فالشعب الذي تتحقق في صفوفه، وبين أفراده، الديمقراطية بمضامينها المذكورة، يجد نفسه متمتعا بمعظم حقوقه: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، ومساهما في بناء مستقبل الأجيال، بما يقرره بطريقة ديمقراطية لصالحها، كما لصالحه، في الظرف الراهن. والدولة المخزنية، بأجهزتها الإدارية، ليس من مصلحتها تحقيق الديمقراطية، بمضامينها المذكورة، كما أن أصحاب المصالح المستفيدين من لا ديمقراطية الواقع، لا يمكن، أيضا، أن يقبلوا بها. والديمقراطية الوحيدة التي يمكن أن يلتزموا بها، ويعملوا في إطارها جميعا، هي ديمقراطية الواجهة، التي تتيح الفرصة أمام تزوير إرادة الشعب المغربي، بأي طريقة، من أجل المحافظة على مصالح الأجهزة المخزنية، ومصالح من يدور في فلكها. أما الديمقراطية بمفهومها المذكور، فلا وجود فيها لشيء اسمه التزوير. وبالتالي، فإن الأجهزة المخزنية، لا يمكن أن تسمح بها، على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، لتناقضها مع مصالحها، ومصالح أصحاب المصالح المحيطين بها، مما يجعل الواقع يزداد ترديا، مع مرور الأيام، لعدم السماح بأجرأة الديمقراطية بمضامينها المذكورة.

4) غياب تحرير الإنسان، من كل مظاهر الاستعباد، التي لا زالت تحد من القدرة على الإبداع، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. فالاستعباد المخزني للشعب المغربي، يكبل جميع المغاربة، واستعباد الرجل للمرأة، يكبل نصف المجتمع، واستعباد العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، من قبل المشغلين، يقتل فيهم القدرة على الإبداع، والرأسمال التابع، يستعبد جميع أفراد المجتمع، واستعباد الرأسمال العالمي، عن طريق مؤسساته المالية الدولية، للدول التابعة، وللشعوب المقهورة، يقتل روح الإبداع في كل الأنظمة التابعة، التي تغرق في خدمة الأمن الخارجي، مما يجعل التحرير الذي يشكل شرطا للإبداع، في مستوياته المختلفة، مستبعدا من الحياة العامة، والخاص،ة مما يجعل المدخل لممارسة الاستعباد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، طريقا إلى الثراء الفاحش؛ لأن الممارس للاستعباد، يصير حليف للأجهزة المخزنية، وللطبقة الحاكمة، لأصحاب الامتيازات التي لا حدود لها، وحليفا كذلك للنظام الرأسمالي التابع، الذي يصير جزءا لا يتجزأ منه، وللنظام الرأسمالي العالمي، الذي يصير في خدمته.

5) غياب تحقيق العدالة، بمضامينها: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية؛ لأنه بدون عدالة، لا يمكن الحديث عن شيء اسمه التوزيع العادل للثروة، وللخدمات في المجتمع المغربي. وهذا التوزيع العادل للثروة، وللخدمات، هو طموح الشعب المغربي، منذ الاستقلال السياسي للمغرب؛ ولكن، للأسف الشديد، نجد أن طموحات الشعب المغربي شيء، وما يمارس في الواقع شيء آخر. فالمغرب يعرف احتكار الثروة، وتسليع الخدمات، من قبل الطبقة الحاكمة، ومن يدور في فلكها، مما يجعل إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية، بمضامينها المشار إليها، غير واردة. وإذا كان لا بد من عمل، فإن بعث الروح في حركة 20 فبراير، وتقويتها، تعتبر مسألة أساسية؛ لأن شروط استمرار حركة 20 فبراير، لا زالت قائمة، بالنسبة إلينا، والتي يعتبر تحقيق العدالة الاجتماعية، من مطالبها الأساسية، والتي يعتبر تحقيقها، تجاوزا للحد من المعضلات، التي يعيشها الشعب المغربي، الباحث / المناضل باستمرار، عن العدالة الاجتماعية، ومن أجلها.

6) وإذا كان لا بد من مواجهة مستقبلية، بين الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، فإن موضوع هذه المواجهة، هو فرض احترام الكرامة الإنسانية، التي حرم منها أبناء الشعب المغربي، بسبب مصادرة حقوقه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي لا يحترم منها أي حق، وخاصة في عهد حكومة بنكيران، التي فرضت التراجع عن العديد من المكتسبات الحقوقية، وفي مقدمتها حق الشغل؛ بل إن ما كان متحققا منذ عقود، يخطط للتراجع عنه، كما هو الشأن بالنسبة لمشكل التقاعد، الذي أجهز عليه، بالإضافة إلى الإجهاز على ربط التكوين بالتوظيف، الذي كان معتمدا منذ استقلال المغرب. وهو ما يعني: أن على الشعب المغربي، أن يناضل، وبلا هوادة، من أجل حماية ما تبقى من مكتسبات، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، بالإضافة إلى العمل على انتزاع مكتسبات جديدة، نظرا لأن حزب بنكيران، الذي يحمل اسم حزب العدالة، والتنمية، لا علاقة له لا بالعدالة، ولا بالتنمية، لسطوه على الدين الإسلامي، واستغلاله له أيديولوجيا، وسياسيا، من أجل الوصول إلى مراكز القرار، لا لمحاسبة الفاسدين، ولا لمحاربة الفساد الإداري، والسياسي، بالإضافة إلى محاربة الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي؛ بل للهجوم على مكتسبات الشعب المغربي، وفرض حرمانه من كافة حقوق،ه وإقامة السدود بينه، وبين احترام الكرامة الإنسانية.

وانطلاقا مما رأيناه، فإن المترشح الراشي، ليس هو المشكل، بل إنه يترشح عن الأحزاب الفاسدة، التي أفسدت الحياة السياسية، وترشحه، إنما يتم من أجل إرشاء الناخبين، من أجل التصويت عليه، وتزوير الحقائق، مهما كانت هذه الحقائق ساطعة، وواضحة للعيان، ضدا على مصلحة الشعب المغربي، وعلى مصلحة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين. وهو ما يجعل الناخبين يرفضون الوعي، بابعاده الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي تفرض وعي الناخب، بممارسي الفساد السياسي، الذي يمارسه المترشحون باسم الأحزاب الإدارية، وحزب الدولة، وحتى بعض المترشحين باسم الأحزاب الوطنية، والديمقراطية، والمحسوبة على اليسار، التي تمخزنت، وأشرعت الأبواب أمام ترشح الفاسدين باسمها.

والأحزاب الفاسدة، لا يمكن أن يترشح باسمها إلا الفاسدون، المستفيدون من الوضع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، الذي لا يخدم إلا مصالح الفاسدين، مهما كان الحزب السياسي، الذي يحتضنهم، حتى وإن كان موصوفا بالحزب الوطني، أو الديمقراطي، أو اليساري؛ لأن الفساد يبقى فسادا، مهمات كان ممارسه.

والدولة المخزنية، بأجهزتها الإدارية الفاسدة، لا يمكن أن تنتج إلا شروط إنتاج الفساد، الذي يتيح الفرصة أمام انفراز الفاسدين، من مختلف الأحزاب، التي تحتضنهم، وتزكي ترشيحهم باسمها، مما جعل ذلك ينال من سمعتها، ومهما كانت هذه الأحزاب، ذات ماض نضالي عريق، ومهما كانت عراقة هذه الأحزاب، تقتضي تمسكها بإغلاق الأبواب، أمام ترشيح الفاسدين، وانخراطها من الباب الواسع في محاربة أشكال الفساد، التي تفسد قيم الشعب المغربي، التي يفترض حمايتها من كل اشكال الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والإداري، والسياسي، وغيره؛ إلا أن تمخزن هذه الأحزاب جعلها لا تختلف عن الأحزاب الإدارية، وحزب الدولة، التي يهب إليها الفاسدون من كل حدب، وصوب.

وإذا كان لا بد من محاربة الفساد، في صفوف الشعب المغربي، فإنه يجب أن يحارب في شموليته. فمحاربة الفساد الإداري، والفساد السياسي، بالإضافة إلى الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، ومحاربة الأحزاب الفاسدة، ومحاربة ترسيخ الفاسدين، مهما كانت الأحزاب التي يترشحون باسمها، وفساد التوظيف الأيديولوجي، والسياسي، وفساد التأويلات الأيديولوجية للنصوص الدينية، وتحويل الدين الإسلامي، من دين منتج للقيم النبيلة، إلى دين يحرض على ممارسة العنف على كل من لا ينخرط في أدلجة الدين الإسلامي، ويقبل بالتأويلات الأيديولوجية المغرضة للنص الديني، مما يجعل الدين الذي هو هم للمومنين به، مقحما في العملية السياسية، وخاصة، إذا كان هذا الدين هو الدين الإسلامي، الذي يجب أن يبقى محايدا، ويجب أن يصير حياد جميع الأديان في الممارسة السياسية، محسوما فيه، انطلاقا من أن الاعتقاد بدين معين، شأن فردي، يجب أن لا يقحم في السياسة، خاصة، وأن أي معتقد، لأي فرد من أفراد المجتمع، يدخل في إطار حرية الاعتقاد، التي هي المدخل، لوضع حدج لإفساد عقيدة الدين الإسلامي، بالتوظيف الأيديولوجي، والسياسي لها، في أفق وضع حد لكل اشكال الفساد، والفاسدين في المجتمع، وصولا إلى تربية جميع أفراد المجتمع، على رفض بيع ضمائرهم، لأي مترشح للانتخابات البرلمانية، مهما كان هذا المترشح.

sihanafi@gmail.com 

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,845,اخبار العرب,894,اخبار المغرب,2070,إعلام,265,اقتصاد,373,المراة,66,تدوين,496,تغريدات,22,تغريدة,4,تقارير,618,حرية,222,حوارات,35,رياضة,184,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,224,صحافة,17,صحة,183,صوت و صورة,678,علوم و تكنولوجيا,224,عناوين الصحف,134,فنون,170,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1101,مجتمع,423,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,363,ملفات,25,منوعات,371,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : المشكل ليس في المترشح الراشي؛ بل الناخب المرتشي... - محمد حنفي*
المشكل ليس في المترشح الراشي؛ بل الناخب المرتشي... - محمد حنفي*
https://1.bp.blogspot.com/-fS1sn6Ii08c/V_Gsnrg1dcI/AAAAAAAAhg8/wvwUcfPXwN4QSZZcFQyYeM65Ed8sFB3rACLcB/s640/oie_transparent%2B%25288%2529.png
https://1.bp.blogspot.com/-fS1sn6Ii08c/V_Gsnrg1dcI/AAAAAAAAhg8/wvwUcfPXwN4QSZZcFQyYeM65Ed8sFB3rACLcB/s72-c/oie_transparent%2B%25288%2529.png
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2016/10/blog-post_30.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2016/10/blog-post_30.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy