الحكم والتحكم والحكومة قبيل الانتخابات البرلمانية المغربية - رشيد العزوي*

مع بدء العد العكسي ليوم القيامة  7 أكتوبر المقبل، يعرف المشهد السياسي الوطني سخونة غير طبيعية، وحركية مرضية، والعديد من الطفيليات الموسم...

مع بدء العد العكسي ليوم القيامة  7 أكتوبر المقبل، يعرف المشهد السياسي الوطني سخونة غير طبيعية، وحركية مرضية، والعديد من الطفيليات الموسمية، وعقليات أبعد ما تكون عن الممارسة السياسية الجادة  الهادفة، لا تعي خطورة إفشال الحفل  الانتخابي، الذي نتمنى أن يكون مقدمة حقيقية لعرس ديمقراطي شرعي أصيل، لا سيما وأنه يأتي بعد دستور 2011 الميسر – وليس الضامن – لتحقيق تناوب حكومي في أفق تحقيق الانتقال الديمقراطي المعول فيه على أحزابنا.

أغلب هذه  الأحزاب شبه اليسارية أو شبه اليمينة أو البين بين، تنكرت  لمنطلقاتها الأيديولوجية، بعد أن فقدت بوصلتها السياسية، وتحول الحزب معها، من مؤسسة سياسية إلى مقاولة انتخابية، تلمع نفسها كل شهر من أصل خمس سنوات، من أجل المتاجرة في أصوات الطبقات الشعبية القابضة على  الجمر، التي لا زالت تثق في اللعبة الانتخابية إلى حد ما، على عللها عن وعي أو أمية سياسية، أو وطنية صادقة بريئة.

وسط هذا الخلط يبرز إخوان ابن كيران «الحكام» الذين عززوا صفوفهم بشخصيات سلفية واستمالوا أخرى يسارية  لمواجهة رفاق العمري، يسار الوسط، المتهم بقيادة سفينة «التحكم»، مناضلوه يصلون الليل بالنهار ويداهنون الإقطاعي والفقير، الوجوه المحافظة والحداثية، لا لشيء إلا للوصول إلى الحكم وإزاحة العدالة والتنمية عنه.

لنسلم أن البام «تحمكما» أليس العدالة والتنمية «حكما» وأجهزة حكومية من المفروض أنها تحت إمرة رئيسها، الذي له من الصلاحيات ما لم يكن لغيره منذ أول حكومة مغربية؟ إن كان الأصالة والمعاصرة «تحكما» في مفاصل الدولة وله شرعية مخزنية  فاقت كل الأحزاب الإدارية – التي لا ننكر أنه يشترك فيها من حيث البعث والنشأة – على الأقل. فكيف نفهم حرصه على تصدر الانتخابات المقبلة التي ستخول له الحكم؟ وبالتالي تنزيل برنامجه السياسي، إن كانت له قدرات تفوق ما تملك الحكومة الحالية  أو أية  حكومة؟ هل بقيت أي قيمة لكلام نبيل بن عبد الله عن الأدوار الخفية والمعلنة التي لعبها ويلعبها صديق الملك، لا سيما وأنه (نبيل) وزير فوق العادة، لو عرفه ابن كيران قبل هذا التحالف الحكومي الهجين لتحول من الشبيبة الإسلامية إلى الشباب الشيوعي؟ وبالتالي فرد الديوان الملكي له مايبرره؛ بل كان لابد منه حتى تعود الأمور إلى نصابها ولا يفتح المجال على مصراعيه للتملص من المسؤولية وبيع الوهم ومغالطة الناخبين.  ألا يصبح من حقنا بعد خمس سنوات على تجربة الإسلاميين الإقرار بفشلهم الذريع، لأن المطالع لبرنامجهم الانتخابي وقتها سيدرك لا محال أن الحصيلة كانت جد متواضعة، إما لغياب التجربة وعدم القدرة على مواجهة مؤسسات سياسية ولوبيات اقتصادية ومالية تدرك يقينا أن إفشال تجربة قيادة الإخوان سياسيا في المغرب أقوى أثرا من محاربتهم عسكريا كما حدث على أرض الكنانة، وإما لغياب مشروع مجتمعي واقتصادي، معالمه حقيقة وإرادة فولاذية؛ أما الحديث عن النية الحسنة والشرعية الانتخابية  بعيدا عن شرعية الإنجاز، فليست لها أية قيمة تذكر في ميزان التاريخ.

إن اتهام البام المتواجد في المعارضة كان شماعة لتشتيت ذهن الناخب وخلق تبريرات واهية، سرعان ما سقطت بعد رغبة الإسلاميين في التحالف مع الملائكة والشياطين كما عودونا على تصنيف المجتمع لصد حزب الهمة عن الفوز،   وإن اقتضى الأمر الدفع بوجوه أثارت جدالا كـ«القباج» التي صادرت الجهات المعنية حقه الدستوري في الترشح وهو تسرع  غير محمود بالمقارنة، لأن الديمقراطية تجب ما قبلها رغم ما يعرف عن الأخير من انتقائية في إيمانه بالدمقرطة  وحقوق الإنسان، ككل لا يتجزأ، ولأن الخيار الديمقراطي بموجب دستور 2011 لا يقل أهمية عن الإسلام والملكية والوحدة الترابية.

ليس نقاش الحكم والتحكم هو ما يميز الجدال الانتخابي الوطني على بعد أقل من 20  يوم عن الاستحقاقات الانتخابية التي سيعرفها المغرب؛  بل إن الخريطة الحزبية الوطنية لما بعد 7 سبتمبر ستعرف تغيرات حقيقية شبيهة بالتي عرفتها  أوروبا عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. نعم إنها القيامة، حيث سيتم اقتطاع مناطق نفوذ سياسية لحزب مقابل تراجع آخر، كما أن حمى الترحال السياسي قد اشتعلت، فهناك من تذكر أخيرا أن مؤسس حزب الاستقلال كان سلفيا (أبو حفص) الذي غادر حزب الشمس أملا في اغتناء سريع سيحققة مع شباط بعد أن عجز عن ذلك الخاليدي،  بينما نجد أمين عام حزب ليبرالي لم يجد إحراجا – وإن كان عين الإحراج ما أقدم عليه الوزاني –   في الترشح بثوب حزب يقال عنه محافظا كما يقال عنه  ذو مرجعية إسلامية؟ فعلا إنه استثناء  مغربي.

وسط هذه اللغة السياسية العقيمة والتصرفات التي تصل في كثير من الأحيان حد الوقاحة من طرف بعض ساستنا، والتي لا يمكن إلا أن تزيد المواطن عزوفا عن صناديق الاقتراع، تنتصب امرأة حديدية تقود فيدرالية اليسار، تتحدث لغة سياسية تحتمل فهما واحدا ووحيدا، بسيطة ومباشرة تسمي الأسماء بمسمياتها «الإمبريالية»،  «الشفارة»، «الرأسمالية المتوحشة»، «مالين الشكارة»، «الملكية البرلمانية»، «التوزيع العادل للثروة»، مفاهيم من بين أخرى تؤسس جهازها المفاهيمي، وموجودة في قلب برنامج الرسالة الانتخابي رغم قوة التحدي.

تحدي التراجع المهول للفكر اليساري عالميا، والخشية من أن تكون نبيلة منيب كامتدادها التاريخي الذي تألق في المعارضة؛ بينما كان أداؤه باهتا في التدبير السياسي، يصعب من مهام  الرفاق في تجمع الرسالة؛ لكن دورهم ربما سيأتي لا محال، فمن كان يعتقد سنة 2003 أن ابن كيران رئيسا للحكومة الآن.

في مثل هذه الأيام التي يشتد فيها الحديث عن الانتخابات في وسائل الاعلام، كما في المقاهي، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، الدول التي تحترم نفسها وقطعت أشواطا في الديمقراطية، يعمق  فيها شرح البرامج الانتخابية لإقناع المواطنين، كما تعقد الندوات والمناظرات  لتنوير الرأي العام، وتقديم مشاريع أجوبة حقيقية لقطاعات مهمة ومصيرية كالتعليم والصحة والسكن؛ لا التنابز والاصطفافات اللا أخلاقية المبنية على المصالح الذاتية التي لا ترى في الناخب إلا صوتا لضمان تقاعد مريح.

انتخابات السابع من أكتوبر – رغم الآمال الكثيرة المعلقة عليها – انطلاقا من هذه المقدمات لا تبشر بكثير خير ديمقراطي، ومن الممكن أن يتم اجترار وتكرار نفس الوعود ورؤية نفس الوجوه، وعيش نفس الخيبة.. ليستمر المستقبل مفتوحا ونعيش سنة 2011  سنوات عدة  لكن؛ بدون حصان طروادة، حزب العدالة والتنمية الذي فقد الكثير من مصداقيته، هو الذي سرق مناسبة تاريخية من الزمن السياسي المغربي لم يساهم في صنعها، في بلد يتميز بجمود بنياته وصعوبة إحداث تغيير مهم في أركانه.

نتمنى أن يكون تحليلنا سطحيا واستنتاجنا متسرعا وعموميا وناقصا وظالما، وتثبت أحزابنا السياسية العكس، وندخل في الثامن من أكتوبر مرحلة مغايرة عن سابقيها يؤول فيها الدستور ديمقراطيا، ويتم على الأقل تفعيل بند ربط المسؤولية بالمحاسبة، في انتظار أجرأة باقي البنود، لنرتقي في السلم الديمقراطي، ومعه الحضاري، ونصل ما وصلته دول متقدمة حاليا عرفت الحزب الوحيد لعقود عدة، على عكسنا نحن الذين يعترف لنا تاريخنا السياسي أننا عشنا التعددية الحزبية حتى لا نقول السياسية منذ النصف الأول من القرن الماضي.

*صحفي

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,895,اخبار العرب,961,اخبار المغرب,2258,إعلام,267,اقتصاد,395,المراة,69,تدوين,517,تغريدات,24,تغريدة,4,تقارير,661,حرية,248,حوارات,35,رياضة,194,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,259,صحافة,18,صحة,190,صوت و صورة,694,علوم و تكنولوجيا,227,عناوين الصحف,177,فنون,176,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1155,مجتمع,471,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,383,ملفات,51,منوعات,378,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : الحكم والتحكم والحكومة قبيل الانتخابات البرلمانية المغربية - رشيد العزوي*
الحكم والتحكم والحكومة قبيل الانتخابات البرلمانية المغربية - رشيد العزوي*
https://1.bp.blogspot.com/-0sdgd4NOTlE/V-HRP9XHiRI/AAAAAAAAg5Y/a5eE2ZV6FB0Nxbpv4SHYhV6NsQSwyhDRwCLcB/s640/oie_transparent%2B%25285%2529.png
https://1.bp.blogspot.com/-0sdgd4NOTlE/V-HRP9XHiRI/AAAAAAAAg5Y/a5eE2ZV6FB0Nxbpv4SHYhV6NsQSwyhDRwCLcB/s72-c/oie_transparent%2B%25285%2529.png
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2016/09/blog-post_83.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2016/09/blog-post_83.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy