الثقافة المغربية: في غرفة العناية المركزة - جمال بودمة*

خلال السنوات الأخيرة وصل النقاش الفكري في المغرب حضيضا غير مسبوق، تكاد تفتش المشهد بكامله ولا تعثر على فكرة واحدة تدفع هذا المجتمع إلى...

خلال السنوات الأخيرة وصل النقاش الفكري في المغرب حضيضا غير مسبوق، تكاد تفتش المشهد بكامله ولا تعثر على فكرة واحدة تدفع هذا المجتمع إلى الأمام: الشعارات أخذت مكان المشاريع، والشتائم حلت مكان النقاش، والادعاءات أخذت مكان المبادرات، والاحتيال عوّض العمل. لا كتب ولا أفكار ولا مقترحات جدية. أما تلك السيدة المحترمة التي كنا نسيمها "الثقافة المغربية"، فلم تعد يهمها إلا الرقص والغناء والتمثيل، "تحزمت" وصعدت إلى المنصة بحثا عن الأضواء. عندما تتأمل لائحة المهرجانات التي تُصرف عليها الملايين طوال العام، يخيل إليك أن الجميع تواطأ على الانصراف إلى الموسيقى والسينما، وترك بقية الأشكال الثقافية تموت وفي مقدمتها الكتاب، وهي ظاهرة تستحق الدراسة!
عندما كان المغرب بالأسود والأبيض وكان على الملعب فريقان واضحان، مخزن ومعارضة، وقف المثقف على اليسار ينتج ويناقش ويقترح، لكن هذه الحيوية خفتت بالتدريج، مع بداية ما سمي ب"التناوب" في نهاية التسعينيات من القرن الماضي. بعد نحو عقدين من الزمان، يبدو ان كل المشاريع الكبيرة والصغيرة أفلست، وماتت المجلات الثقافية، واحتضر النقاش الفكري، وتراجع الإنتاج الإبداعي، وانقرض المثقفون او تحولوا إلى مرتزقة على أبواب السياسيين والخليجيين ومن يدفع أكثر، والكبار صمتوا لأسباب غامضة.... أين كنا وأين وصلنا؟ في 1964 أسس محمد خير الدين مجلة إسمها "Poésie toute"، وعمره ثلاثة وعشرون عاما، وفي السنة الموالية نشر مصطفى النيسابوري مجلة أخرى عنوانها: "Eaux vives" وعمره واحد وعشرون عاما، وفي 1966 أسس اللعبي مجلة "أنفاس" وعمره ثلاثة وعشرون عاما، وقد احتفلت المجلة بذكراها الستين هذا العام في غياب اي وريث شرعي او حتى غير شرعي... هذا في الأدب فقط، دون الحديث عن المطبوعات الفكرية والاقتصادية. يبدو أن ثقافتنا أصيبت بأزمة قلبية أدخلتها إلى "الكوما" وهي ترقد من سنوات في غرفة العناية المركزة، دون أن يزورها أحد.
ليست المجلات وحدها التي تموت في المغرب، بل حتى الفضاءات الثقافية. في منتصف التسعينات كان هناك نادٍ ادبي تابع لمسرح محمد الخامس يسمى "نادي الأسرة"، احتضن عشرات اللقاءات الثقافية التي صنعت مجد الأدب المغربي في نهاية القرن الماضي، قبل أن يتحول إلى مقهى لا يختلف عن بقية المقاهي التي انتشرت كالفطر وسط العاصمة، يرتاده العشاق والفضوليون من أجل الثرثرة و"التبركيك"، وارتشاف "نص نص" مع "ميل فوي"، بعد أن كان فضاء لقراءة الشعر ونقاش الإصدارات والتداول في مختلف القضايا الثقافية ... مَسخ "نادي الأسرة" إلى مقهى يدر على صاحبه "قمامة" من النقود، عنوان من عناوين الاندحار الذي تعيشه الثقافة المغربية، مع إغلاق القاعات السينمائية، وهدم المسارح، وكساد سوق النشر، وإفلاس عدد من الجمعيات الثقافية، في مقدمتها اتحاد كتاب المغرب... كيف يعقل أن نفوّت فضاء تابع لمؤسسة عمومية اسمها "مسرح محمد الخامس" إلى مستثمر لا يهمه إلا تحقيق الربح، في الوقت الذي تتقلص فيه الفضاءات الثقافية في العاصمة إلى درجة الانقراض؟ ألم يكن من الأجدر -مثلا- كراء الفضاء بناء على دفتر تحملات، يفرض المزاوجة بين النشاط التجاري والبرمجة الثقافية؟ من المؤسف أن نرى كيف تنتصر التجارة على الثقافة في عقر وزارة الثقافة، حتى "معهد المسرح"، الذي كان جارا ل"نادي الأسرة" في الطابق الخامس من المسرح صار "في ذمة الله". ولا أعرف بأي جرم تم "نفى" هذه المؤسسة إلى حي العرفان، رغم أن محيطها الطبيعي موجود وسط الرباط، قرب المسرح والتلفزيون والمراكز الثقافية الأجنبية، ما كان يسمح للطلاب بحضور مختلف الأنشطة الثقافية، وتلمس خطواتهم الأولى في ميدان العمل.
لقد أغلقوا المعهد العالي للمسرح الذي درسنا فيه وسط الرباط وهدموا ملحقته الجميلة في الأوداية. أجل هدموا الأقسام الرائعة التي خرّجت أجيالا ممن صاروا اليوم وجوها معروفة في السينما والتلفزيون، ومن المحزن أن ترى المكان الذي أمضيت فيه سنوات من عمرك يموت، دون أن تستطيع فعل شيء. كلما مررت من الاوداية أحس بغصة في حلقي، أرى كيف تحولت الأقسام إلى أنقاض، أشاهد الوجوه والذكريات، وتتحرك برك جامدة في عينيّ، لقد هدموه دون أن ننظم حتى وقفة صغيرة، تضامنا مع الجدران التاريخية أو حدادا على قطعة من حياتنا دفنّاها هناك... تفرقت بنا السبل ولم تعد لنا طاقة على الغضب!

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,789,اخبار العرب,861,اخبار المغرب,1942,إعلام,262,اقتصاد,357,المراة,64,تدوين,485,تغريدات,21,تغريدة,4,تقارير,591,حرية,200,حوارات,32,رياضة,183,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,218,صحافة,7,صحة,178,صوت و صورة,666,علوم و تكنولوجيا,222,عناوين الصحف,114,فنون,167,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1056,مجتمع,407,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,355,ملفات,24,منوعات,369,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : الثقافة المغربية: في غرفة العناية المركزة - جمال بودمة*
الثقافة المغربية: في غرفة العناية المركزة - جمال بودمة*
https://2.bp.blogspot.com/-N8ur6-zT9cY/Vyz-_dOQEyI/AAAAAAAAedA/vTK06BaGJuAM6II37bCgZBV0R41uhrXtQCLcB/s640/oie_transparent%2B%252827%2529.png
https://2.bp.blogspot.com/-N8ur6-zT9cY/Vyz-_dOQEyI/AAAAAAAAedA/vTK06BaGJuAM6II37bCgZBV0R41uhrXtQCLcB/s72-c/oie_transparent%2B%252827%2529.png
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2016/05/blog-post_34.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2016/05/blog-post_34.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy