سوشال ريفيو ستريت: هل الثورات محكوم عليها بالفشل دائما؟

الصورة: الثورة المصرية.. ثورة فشلت في حشد جموع تبقى في ميدان حتى انتصارها ليس مرجحا أن تفوز هل السلطة الشعبية الحقيقية أمر مستحيل تح...

الصورة: الثورة المصرية.. ثورة فشلت في حشد جموع تبقى في ميدان حتى انتصارها ليس مرجحا أن تفوز

هل السلطة الشعبية الحقيقية أمر مستحيل تحقيقه؟ سؤال يطرحه جون مولينو، ويوضح لماذا السلطة الشعبية ليست مستحيلة. ولعل الأمر يحتاج تحليلًا وخاصة بعد حالة الثورة المصرية والثورة المضادة، وكذلك الثورة في أوكرانيا، فكلاهما رسخا الاعتقاد الخاطئ الشائع أن الثورات تنتهي بالفشل دائمًا. يقول جون مولينو في مقاله:
«في ظل حالة العالم اليوم من التغيرات المناخية والفقر والحروب والتفرقة العنصرية والكثير غيرها، يصعب على الحكام إقناع الناس بأن الأمور على ما يرام، لكن الحقيقة أنهم ليسوا في حاجة لذلك. فكل ما يحتاجون توضيحه للشعوب أنه لا يوجد ما يمكن فعله. لذلك عندما نحاول مناقشة قضايا كوجود الرأسمالية وعدم المساواة والحرب، نجد الأقوياء أصحاب السلطة غير العابئين بالناس العاديين يرددون على ألسنتهم شعار: لا يمكنك تغيير طبيعة البشر».
ويضيف مولينو: «ترتبط فكرة أن الثورات دائمًا ما تنتهي بالفشل ارتباطًا وثيقًا بالجدل الدائم حول طبيعة البشر». ربما يسود الاعتقاد بأن الثورات ستفشل لأن الناس العاديين غير قادرين على إدارة المجتمع، وعليه فإن السلطة الشعبية ستظل دائما دربًا من دروب الوهم. لذلك، على الرغم من كون جورج أورويل اشتراكيًّا، إلا أن روايته القصيرة «مزرعة الحيوانات» لطالما حظيت بشعبية واسعة، لأنه يشير إلى أن انحطاط الثورة الروسية وانحرافها إلى الديكتاتورية كان أمرًا لا مفر منه بسبب ضعف ذكاء «الحيوانات» التي تمثل الطبقة العاملة.
ففي كل مرة تنهزم أحد الثورات يسوق تجار الانهزامية حجة أن الناس العاديين غير قادرين على إدارة المجتمع. ففي ظل الظروف الصعبة التي تمر بها مصر وطبيعة الجناح اليميني في أوكرانيا كلاهما بيئة خصبة تفسح المجال لانتشار هذا النوع من التفكير. ولهذا تحديدًا قال سايمون جنكينز في صحفية الجارديان مؤخرًا «ميدان، أوكرانيا…، التحرير، مصر…، هي ميادين ترمز للفشل؛ لا الأمل».
ويرى مولينو أنه من السهل إعداد قائمة بالثورات والانتفاضات التي فشلت، فعلى سبيل المثال ثورة الفلاحين 1381، وحرب الفلاحين في ألمانيا 1525، وكومونة باريس عام 1871 أو ما يطلق عليها الثورة الفرنسية الرابعة، والثورة الإسبانية .1936 وهلم جرا، إلا أن التعميم التاريخي بفكرة أن كل الثورات تفشل هو زعم «مضلل» كاذب.
تعميم مضلل
في الحقيقة العديد من الأنظمة الديموقراطية الرأسمالية الموجودة اليوم ما هي إلا نتاج ثورات ناجحة. ولعل أبرزها هي الثورة الهولندية ضد الإمبراطورية الإسبانية في القرن السادس عشر، والتي وضعت حجر الأساس لهولندا اليوم؛ والثورة الإنجليزية من 1642-1649 التي حطمت قوة الملكية والأرستقراطية الإقطاعية، كما مهدت الطريق أمام الحكم البرلماني. واندلعت الثورة الفرنسية 1789-1794، فأطاحت بلويس السادس عشر كما أطاحت بالسلطة الأرستقراطية الفرنسية والإقطاع في فرنسا. وأخيرًا وليس آخرا تأتي الثورة الأمريكية 1775، التي مهدت الطريق أمام تطور الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح أمة رأسمالية رائدة في العالم.
ربما تشعر البرجوازية المعاصرة المتمثلة في الطبقة الرأسمالية المهيمنة حاليًا بالحرج إزاء أصولها الثورية، بل إنها تحاول إخفاء ذلك بكل جدية. فالثورة الإنجليزية غدت حربًا أهلية إنجليزية، ولم تستمر كثورة على الإطلاق. علاوة على ذلك، تجد البرجوازيين المحافظين الإنجليز يتعاطفون إلى حد ما مع «الفرسان المثليين» الداعمين للمخلوع تشارلز الأول في مواجهة «المتشددين» الداعمين أوليفر كرومويل، الذي وضع الأساس لحكمهم من الأساس. وبالمثل، سلك المؤرخون طريقًا يشوهون فيه سمعة الثورة الفرنسية، ووصل بعضهم لوصفها أنها «انزلاق إلى موجة عنف وإرهاب في 1793».
لكنّ أيًّا من تلك الجهود التي تحاول التحريف، لم تنجح في إخفاء حقيقة تلك الثورات، وكونها بالأساس تنطوي على تعبئة جموع من الناس العاديين، وبشكل أو بآخر تمكنت من الإطاحة بالنظام القائم، ونقل السلطة من الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية إلى يد الطبقة البرجوازية، وهو ما أدى بالأساس إلى نشأة النظام الاجتماعي والاقتصادي العالمي الجديد.
بينما على الجانب الآخر، كانت جميع تلك الثورات في رأي القائمين عليها أنها ثورات «ناجحة بشكل مذهل»، فالثورة الهولندية جعلت من الجمهورية الهولندية صاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا بين عامي 1600 و 1660، كما قدمت مثالًا رائعًا للديموقراطية والليبرالية وفقا لمعايير اليوم، فكانت حينها ملاذًا للمتمردين والمفكرين والفنانين أمثال الفلاسفة ديكارت وسبينوزا والرسام رامبرانت.
أما في حالة إنجلترا، استعادة النظام الملكي بعودة ال ستيورات للحكم، وبتولي تشارلز الثاني الحكم في 1660، إلا أنه عاد بشروطٍ مختلفة تماما عن تلك التي حاول والده إرساءها، وتمكن البرلمان من هزيمة الملك، ولم تعد بريطانيا يحكمها نظام ملكي مطلق. وبسلاسة اتحد الحكم البرلماني والبرجوازية في «الثورة المجيدة» 1688-1689، وصارت بريطانيا بلد الثورة  الصناعية والقوة الرأسمالية المهيمنة في القرن التاسع عشر.
كما هو الحال مع الثورة الفرنسية، فهي لم تحول فرنسا فقط إلى دولة رأسمالية حديثة، أو تجعلها العاصمة الثقافية والسياسية للقرن التاسع عشر فقط، لكن أثرها الأبرز تمثل في أنها أدت بفرنسا إلى الديمقراطية الحديثة والفلسفة السياسية بمفاهيمها للحرية وحقوق الإنسان ثم الاشتراكية.
ثورات القرن العشرين.. هل تختلف عن سابقاتها؟
يقول الكاتب أن القرن العشرين  شهد العديد من الثورات الوطنية التي دمرت الحكم الاستعماري وأسست للاستقلال الوطني.
فنطاق الثورات في القرن العشرين اتسع ليشمل الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1916 وبلغت ذروتها في عامي 1920 و 192، ثم للثورة المصرية  في عام 1919، والثورة الصينية 1949، والكوبية 1959 والجزائرية ضد الفرنسيين في 1954-1962، والثورة ضد الحكم البرتغالي في أنغولا وغينيا بيساو وموزمبيق وغيرها الكثير من الثورات.
ويتساءل هنا: كيف إذًا بعد كل تلك الثورات الناجحة، يدعي البعض أن الثورات دائما ما تبوء بالفشل، بل ويجدون صدى لما يدعون؟ لعل الاجابة تكمن في أن
أيًّا من تلك الثورات لم تنجح بعد في إنتاج مجتمع المساواة والحرية كما تدعي جميعها
الثورة البرجوازية
يؤكد الكاتب على أننا بداية نحتاج أن نعي الاختلاف بين الثورة البرجوازية في الماضي، وثورات العمال التي نتحدث عنها الآن. الثورات البرجوازية كانت تقدمية وناجحة لكنها لم تنجح إطلاقا في تطبيق المساواة الاقتصادية أو القضاء على التمييز الطبقي في المجتمع أو تحقيق العدل الاجتماعي.
بالفعل تبنت الثورات البرجوازية خطاب «الحقوق المتساوية» لحشد الدعم الشعبي؛ لكن في الواقع كان يقودها الطبقة الرأسمالية التي كانت بطبيعتها طبقة مستغلة، والتي يستحيل وجودها بدون وجود طبقة عالمة تحتها. الحقيقة أن السلطة كانت دائمًا تنتهي في يد الطبقة الرأسمالية بعد الثورات، ولم تكن لتستمر في السلطة إذا تحقق بالفعل ديموقراطية دستورية حقيقية وتطبيق حقوق قانونية متساوية؛ والواقع يقول أن أيًّا من الثورات لم تحقق ذلك.
ينطبق الأمر نفسه على الثورات المناهضة للاستعمار والثورات القومية. وربما لعوامل تاريخية، كثيرًا ما اعتمدت تلك الثورات على لغة خطاب متطرفة وأكثر تشددًا من الثورات البرجوازية ولا يسعنا سوى ملاحظة أنهم كثيرا ما أطلقوا على أنفسهم شيوعيين أو ماركسيين، ولعل أبرز الأدلة على ذلك الثورتين الكوبية والصينية.
لكن بقدرٍ ما ظلت تلك الثورات تحت سيطرت الطبقة الوسطى، وليست تحت قيادة الطبقة العاملة، ولم تتمكن سوى من تأسيس أنظمة دول رأسمالية مستقلة أبقت على المجتمعات الطبقية، بل وأكثر من ذلك تخضع للضغوط المضنية للسوق العالمية.
الفلاحون والثورات
ويرى الكاتب أننا بحاجة  لنظرة أكثر تبصرا بشأن الفلاحين، تلك الطبقىة التي لطالما شاركت في الثورات لكنها لم تصل للحكم. قبل 5000 سنة أو يزيد، تطورت البشرية من الصيد إلى الزراعة، وكانت الغالبية العظمى من سكان العالم فلاحين. وبطبيعة الحال أغلب المشاركين في الثورات كانوا من الفلاحين، إن لم يكن جميعهم. وكان هذا هو الحال مع باتشو فيلا وأميليانو زاباتا في الثورة المكسيسكة، ونفسه مع جيش ماو الأحمر في الثورة الصينية، وفرقة فيديل كاسترو في كوبا.
لكن هناك صعوبة بالغة في أن يكون الفلاحون أنفسهم قوة ثورية: فربما يقاتلون بعنف وقساوة النظام السابق، أو يثورون ضد ملاك الأراضي الإقطاعيين والمستعمرين، لكن حتما لا يمكنهم السيطرة على المجتمع  الجديد الناشئ من رحم الثورة؛ إذا ما نجحت. وبالتأكيد لا علاقة لذلك على الإطلاق بعدم قدرتهم أو قلة ذكائهم، إنما هو بالأساس يرتبط بظروف حياتهم.
في نهاية المطاف تعتمد السلطة في أي مجتمع على السيطرة على قوة الإنتاج، وفي المجتمع الحديث قوة الإنتاج تتركز في المدن بينما يتمركز الفلاحون بالأساس في الريف. وبالتأكيد بعد قيام أي ثورة سيتحتم على الفلاحين العودة للريف تاركين أحدًا يدير المدن، ومن ثم المجتمع ككل.
الطبقة العاملة وقوتها
يحاول الكاتب توصيف أهمية الطبقة العاملة – الذين يبيعون قوة عملهم – وكيف تختلف عن الفلاحين. فبعكس الفلاحين، وجودهم يتمركز بأماكن العمل الكبيرة، سواء أكان مصانع أو مراكز الاتصالات أو أحواض بناء السفن، وأيضًا بالمدن الكبيرة حيث تتواجد القوة الحقيقية في المجتمع.
ومع انتشار الرأسمالية في جميع أنحاء العالم زادت الطبقة العاملة زيادة مطردة، بحيث صارت تشكل الغالبية من سكان العالم. فبدون الطبقة العاملة لا يمكن تجميع أجزاء سيارة أو جهاز كمبيوتر، ولا يمكن أن تمتلئ الأسواق بالبضائع، ولا يمكن أن تبنى مدرسة أو محطة حافلة أو قطار.
فكل ذلك وغيره يعطي الطبقة العاملة قوة كامنة هائلة، وهي قوة ليست فقط قادرة على هزيمة الرأسمالية، وإنما قوة بإمكانها بناء وحكم مجتمع تتحقق فيه الديموقراطية. على مر التاريخ، الطبقة العاملة هي أولى الطبقات التي تم اضطهادها ومع ذلك فهي تمتلك القدرة على إدارة المجتمع دون أن تقوم باستغلال أو اضطهاد الآخرين من الطبقات الأخرى.
لكن هل يمكن للطبقة العاملة أن تحافظ على ديموقراطية قادتها، بحيث لا تتحول إلى مجموعة جديدة من الظالمين الذين شقوا طريقهم وارتفعوا عن طبقتهم ليسيطروا على المجتمع ككل؟ طرح هذا السؤال يستدرج فتح قضية أخرى هي الطبيعة البشرية ويستحضر مصير الثورة الروسية التي تحولت لاحقًا إلى ديكتاتورية.
يقول الكاتب إن انتشار القول بأن «الطبيعة البشرية يجري فيها الجشع والمصلحة الذاتية، يجعل من المساواة الحقيقية مستحيلة». غير صحيح؛ ببساطة لأن الطبيعة البشرية ليست أمرًا ثابتًا لكنها تتغير وتتطور وفقًا للظروف. ويضيف أن من واقع التاريخ، عاش الإنسان الصياد وجامع الثمار في مجتمعات ديموقراطية وتتمتع بالمساواة طوال عشرات الآلاف من السنين قبل ظهور تلك الطبقات، فليس هناك إذا عقبة فطرية للمساواة متأصلة داخل الطبيعة البشرية كما يزعم البعض.
الثورة الروسية
يرى الكاتب أنه ينبغي علينا إدراك أن انحطاط الثورة الروسية ووصولها للطغيان هو أحد أهم أسباب الاعتقاد بأن الثورات دائما ما تبوء بالفشل. ففي النهاية الثورة الروسية كانت أعظم ثورة في القرن العشرين، والوحيدة التي تمكنت فيها الطبقة العاملة من الوصول للحكم. كما ينظر إليها على أنها حالة اختبار، على الرغم من الظروف المادية التي أحاطت بها في السنوات التي تلت عام 1917  كانت شديدة لدرجة أنه لم يكن هناك مفر من السقوط في هذا الانحطاط.
قبل قيام الثورة، كانت روسيا القوة العظمى الأكثر تخلفًا اقتصاديا في أوروبا، وكان غالبية سكانها من الفلاحين وشكلت الطبقة العاملة أقل من 10% من السكان. علاوة على أن الحرب العالمية الثانية ألحقت أضرارًا جسيمة باقتصادها، إلى أن تدمر تماما بسبب الحرب الأهلية، وقل إنتاجها الصناعي في 1920 إلى 31% من حجم إنتاجها في عام 1913. وتفاقم الانهيار الاقتصادي سوءًا بعد تفشي التيفوس والكوليرا.
كانت التبعات الاجتماعية لهذا الوضع هو تدمير الطبقة العاملة في المدن؛ بمعنى أنها دمرت الطبقة التي قامت بالثورة من الأساس والتي أسست القوة العمالية في 1917. فكما قال لينين في تلك الفترة أن الطبقة العاملة لم تعد طبقة، فهي أُخرجت من خندق فئتها الاجتماعية وتوقفت عن كونها من البروليتاريا. وكونها أصيبت بالإنهاك جسديا وسياسيا، ففقدت قدرتها على السيطرة على حكومتها والمسؤولين في دولتها.
في ظل تلك الظروف، لم يكن هناك مفر من تحول المسؤولين السياسيين في الدولة والحزب – سواء المخلصين للاشتراكية أم لا – ليصبحوا بيروقراطية مستغلة وغير خاضعة للمساءلة، وأن ضمائرهم تغيرت بالتبعية. وبالتالي الديكتاتورية التي مارستها البروليتاريا – وحسب تصور ماركس ولينين – سوف تصبح إن لم تكن أصبحت بالفعل تمارس ديكتاتورية على البروليتاريا نفسها.
ويثير الكاتب تساؤلًا آخر: هل كانت هناك أي وسيلة للخروج من هذا المأزق؟ بالطبع، لكن فقط في حالة انتشار الثورة إلى بلدان أخرى أكثر تقدما اقتصاديا، والتي من شأنها إرسال مساعدات للعمال الروسيين الضعاف. وكاد أن يحدث هذا تقريبا؛ فالثورة بالفعل وصلت لألمانيا وإيطاليا وكذلك أماكن أخرى، وكانت قاب قوسين أو أدنى من النصر. لكنها انهزمت بسبب عدم وجود قيادة ثورية من الأساس فغادرت الثورة روسيا معزولة فاشلة بلا رجعة.
يرى الكاتب أن بمجرد فهمنا الظروف المادية التي تسببت في فشل الثورة الروسية، بالتاكيد يبعث ذلك الأمل لا اليأس. فجميع البلاد الآن بالطبع أفضل حالا مما كانت عليه روسيا في 1917، سواء من ناحية القوة العمالية أو التقدم أو مدى قوة الطبقة العاملة. كما أن العالم الآن أكثر اندماجًا مما كان عليه حينها؛ لذلك بمجرد سطوع بصيص أمل في بلدٍ واحد، بالتأكيد سينتشر على مستوى الدول، بعكس ما كان عليه الحال في 1917-1923.
فشل الميادين
يصل الكاتب إلى النقطة الأساسية التي طرحها في أول المقال فيقول: «وبعد أن أجبنا على الجدل التاريخي ضد الثورة بأن الثورات دائما ما تبوء بالفشل»، يمكننا الآن أن نرجع لقضية فشل الميادين (تيانانمن، التحرير، بويرتو ديل سول، تقسيم، ميدان، … إلخ) فكما يرى سيمون جنكينز وغيره أن تلك هي أول خطوة على طريق إنتاج مجتمعات جديدة أفضل.
يقول جنكينز إن الحشود في الميادين أصبحت «رمزا للسياسة الثورية الحديثة» ويعترف بقوتهم الملهمة. لكنه أيضا يدعي أن «الحشود تدمر ونادرًا ما تبني»، ويضيف «الحشد يمكنه أن يفجر فتيل نظام ضعيف، ويغرق دولة في ظلام دامس، بينما نادرًا ما تضيء نور الديموقراطية. فأي اضطراب يمكن أن يوحي بالأمل في مستقبل أفضل، لكن التاريخ دائما يشكك».
لكن جنكينز يقع في خطأين أساسيين هنا. الأول أنه يعامل كل أنواع الحشود في الميادين على أنهم ظاهرة واحدة، عوضًا عن النظر في طبيعة تكوينهم أو أهدافهم السياسية والأيديولوجية السائدة في كل حشد. كما أنه لا يحاول أن يميز بين حشد من الطبقة المتوسطة وآخر من العاملة، وحشد متطرف… إلخ.
الثاني، ربما لأن الحشود في الميادين صارت رمزًا للحركات الثورية، فإن جنكينز يعرف الثورة والميدان كواحد، وفيه إغفال عناصر الثورة الأخرى أو القوى الاجتماعية الأوسع المعنية.  وهو مثله كمثل اختزال الثورة الفرنسية في اقتحام سجن الباستيل، أو اختصار الثورة الروسية في أحداث الهجوم على قصر الشتاء أو الأحد الدامي.
فتطبيق هذه النظرة على جميع الاضطرابات الأخيرة غير صائب. ولا سيما في حالة الثورة المصرية،  لأنه على الرغم من أن وسائل الاعلام ركزت فقط على ميدان التحرير، ملأت الحشود باقي أنحاء البلد، وعلى الأخص في الإسكندرية والسويس. ولأنها كانت ثورة خليط من الحشود في الشوارع تزامنا مع انتشار الاضرابات في المهن باختلافها، كانت بكل ما فيها عملا حاسما في إسقاط الديكتاتور حسني مبارك.
نتيجة لذلك، جنكينز وأمثاله ممن يروجون لفكرة أن الثورات محكوم عليها بالفشل يرسمون صورة مضللة للثورات. وبينما تظل الحقيقة أن ثورة فشلت في حشد جموع تبقى في ميدان حتى انتصارها ليس مرجحًا أن تفوز، ومن الخطأ تخيل أن مثل تلك التحركات الجماعية لا يمكنها تجاوز هذه الحدود.
وهكذا، فإن الاستنتاج الصحيح هو أن الحشد في الشوارع أمر ضروري كخطوة أولى في طريق أي ثورة، لكنها أيضا تحتاج إلى الاضرابات الجماهيرية واحتلال أماكن العمل، لأن نقطة ضعف رأس المال تتمثل في الإنتاج، وحيث تتركز قوة الطبقة العاملة.
كما يرى أنه بالإضافة إلى كل ما سبق، نحتاج إلى قيادة اشتراكية ثورية، لأنه بدون السياسات الثورية يسهل تضليل الحشود وخداعها.
ويختتم قائلاً: «إذا كان بالإمكان دمج تلك العناصر جميعها فتمكِّن الطبقة العاملة العالمية من هزيمة الرأسمالية، ومن ثم بناء مجتمع اشتراكي دولي»، وهو أسهل الآن من ذي قبل على مر التاريخ. (ساسة بوست)

COMMENTS

الاسم

اخبار العالم,845,اخبار العرب,894,اخبار المغرب,2070,إعلام,265,اقتصاد,373,المراة,66,تدوين,496,تغريدات,22,تغريدة,4,تقارير,618,حرية,222,حوارات,35,رياضة,184,زاوية نظر,37,شؤون ثقافية,224,صحافة,17,صحة,183,صوت و صورة,678,علوم و تكنولوجيا,224,عناوين الصحف,134,فنون,170,كاريكاتير,8,كتاب الراي,1101,مجتمع,423,مختارات,16,مدونات,5,مغاربي,363,ملفات,25,منوعات,371,
rtl
item
الغربال أنفو | Alghirbal Info : سوشال ريفيو ستريت: هل الثورات محكوم عليها بالفشل دائما؟
سوشال ريفيو ستريت: هل الثورات محكوم عليها بالفشل دائما؟
https://3.bp.blogspot.com/-vXqlxMpHSL0/VuK0vN-sk2I/AAAAAAAAcJs/H2FZYW99apoe7achockSyyU4amhx8DogA/s640/Tahrir_Square_-_February_10%252C_2011.png
https://3.bp.blogspot.com/-vXqlxMpHSL0/VuK0vN-sk2I/AAAAAAAAcJs/H2FZYW99apoe7achockSyyU4amhx8DogA/s72-c/Tahrir_Square_-_February_10%252C_2011.png
الغربال أنفو | Alghirbal Info
https://alghirbal.blogspot.com/2016/03/blog-post_41.html
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/
https://alghirbal.blogspot.com/2016/03/blog-post_41.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أية مشاركات عرض الكل المزيد عرض الكل إلغاء الرد حذف بواسطة الصفحة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل إخترنا لكم وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على موضوع طلبك عودة للصفحة الرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy